راي رئيسي

الشعوب الحرة تبكي رؤساءها
التونسيون يرفعون الباجي منازل لم يحلم بها

– بحري العرفاوي –

سيكتشف الملوك والرؤساء وهم يتابعون المشهد التونسي بعد وفاة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أن كلفة “الزعامة” أقل مما ينفقونه على المداحين والمخبرين والجواسيس والقوادين، كلفة “الزعامة” تبدو “بسيطة” ولكنهم لا يقدرون عليها لأنهم مسكونون بالتكبر والاستعلاء والعقد النفسية ولأنهم يفتقدون قيمة التواضع وهي من أهم القيم خاصة في عالم السياسة والحكم.

هل كان الباجي يتوقع أن يتعاطف معه التونسيون حين دخل المستشفى ذات خميس من 27 جوان الفائت؟ هل كان يتوقع أن يتأثر التونسيون لموته ويُجمعون على الدعاء له بالرحمة؟ هل كان يتوقع ألا يُبدي مواطنون شماتة بموته كما أبدوها بموت غيره من المستبدين والجلادين والفاسدين؟.

الباجي قائد السبسي الذي دفعت به الأحداث إلى المشهد السياسي وحملته إلى سدة رئاسة الحكومة في 2011  كان بمستوى الأمانة حيث أحسن إدارة الشأن العام في ظروف عاصفة وأوصل البلاد إلى انتخابات شفافة سلم بعدها الحكم في أجواء من الهدوء والصفاء ولم يتلكأ أو يسعى في عرقلة.

ربما كان يود لو أنه استمر في رئاسة الحكومة ونحن نتذكر قولته الشهيرة حين سئل عن ذلك فقال: “لا خطبونا لا عطيناهم” أي أن الفائزين في الانتخابات لم يعرضوا عليه مواصلة رئاسة الحكومة ولا رئاسة الجمهورية رغم وجود من نصح بذلك لكون البلاد كانت بحاجة إلى شخصية لا تكون مصدر خوف لجماعة النظام القديم ولا للدول المتوجسة من التجربة التونسية ولا تكون أيضا مُغرية بالاندفاع والحماسة بالقدر الذي قد يوقع في المغامرة سيئة العواقب.

لم يكن الباجي ثوريا ولم يكن من المعارضين لنظام بن علي رغم أنه انسحب من المشهد السياسي في وقت مبكر بعد توليه رئاسة البرلمان بدايات السابع من نوفمبر وبعد انتخابات 02 أفريل 1989 رغم أن تلك الانتخابات كانت مزورة وهو يعلم ذلك.

لا يعلم التونسيون من جاء بالباجي قائد السبسي بعد 2011 ولكنهم يشهدون له بكونه أحسن إدارة المرحلة في أجواء عاصفة تُشبه الفراغ، الباجي قائد السبسي لم يصطدم بأشواق الثورة ولم ينتصر إلى أعدائها وهو ما عبر عنه الاستاذ سمير ديلو في مقال اختار له عنوانا جميلا “الرئيس الباجي من غنائم الثورة جاء فيه:” “لخّص الرئيس الرّاحل الباجي قائد السّبسي موقعه من الثورة بقوله :” لم أشارك فيها و لكنّي حميتها و رعيت أول انتخابات حرّة فيها ،و لخّص موقفه منها بقوله الثورة بدأت بالكفاح ضد الاستعمار واليوم تتواصل بأشكال ووسائل أخرى”.

هكذا استطاع العقل السياسي التونسي تخيّر من يكون كيمياء وحدة التونسيين يربط بين منجزات ما سبق وبين استحقاقات ثورة قامت على أرواح شهداء وأشواق أحياء وعزم أوفياء.

لقد كان الباجي قائد السبسي أشبه ما يكون بالواقي من الصدمات وقد تحمل فعلا بصدر رحب صنوفا من النقد والتهجم وحتى الشتائم والسخرية ولم يتصرف كما تتصرف أي سلطة غاشمة بل إنه حين قاضى مستشاروه مواطنا خسروا القضية أمام قضاء حر مستقل فكانت تلك القضية شهادة على أن السلطة لم تعد ذات عصا كما كانت وعلى أن المواطن لم يعد مجرد أداة مفعول به وأن القضاء أصبح بإمكانه أن يحكم ضد إرادة القصر وأهواء السلطة.

من أراد فهم شعب وتفهم المشهد السياسي في هذا العصر عليه بمتابعة عوالم الفايسبوك وتأمل ما يكتبه الناس من هزل وجد وسخرية ..ومن أعمق ما تداوله نشطاء على الفضاء الأزرق هو ما ترجمته الجملة التالية:” من أراد أن يُكرمه التونسيون بعد موته فعليه أن يستقيم معهم كما استقام معهم  الباجي قائد السبسي”.

وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي التي كانت صبيحة ذكرى عيد الجمهورية مثلت لحظة إنسانية عميقة برز فيها تأثر أغلب التونسيين لوفاته كما مثلت لحظة سياسية مبهرة حيث لم يترك غيابه فراغا مخيفا بل استمر التونسيون في ممارسة حياتهم بشكل طبيعي ولم تمض إلا أربع ساعات حتى كان رئيس البرلمان يؤدى القسم ويتولى الرئاسة كما ينص الدستور في انتظار تنظيم انتخابات ستكون يوم 15 سبتمبر يختار التونسيون رئيسهم بأسلوب سلمي وعبر الصناديق بعيدا عن أجواء الانقلابات والتزوير والفوضى.

لقد قدمت تونس درسا عظيما في الانتقال الديمقراطي وفي المعاني الإنسانية وفي التضامن عند المحن والشدائد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق