راي رئيسي

جنازة الباجي .. الصورة الكاملة

– فائزة الناصر –

جنازة مهيبة تلك التي نُظمت لأول رئيس دولة منتخب في تاريخ تونس الباجي قايد السيسي، نجحت خلالها المؤسستين العسكرية والأمنية في إثبات الطابع الجمهوري والالتزام بالمهام المنوطة بعهدتيها، والمحافظة على عقيدتهما العسكرية والأمنية بعيدا عن التجاذبات السياسية والولائية، فكان ولاءهما فقط لتونس.. نجحت المؤسستين الأمنية والعسكرية أثناء تشييع جنازة الفقيد الباجي قايد السبسي أنها أمينة على قيم الجمهورية وأنها جديرة بثقة التونسيين فيها..

في المقابل لم يكن الإعلام “العمومي -كعادته- في مستوى ثقة الشعب وانتظاراته.. لم يكن أمينا على الصورة ولا نقل الحقيقة كما هي.. لم يكن مطلقا على مسافة واحدة من الجميع أثناء نقل مراسم العزاء والدفن.. ولم يكن ناقلا نزيها ولا محايدا ولا شفافا ولا مهنيا..

تكلمت كاميرا القناة “الوطنية” فاستحضرت في كادر الصورة من شاءت وغيّبت من كادرها من شاءت.. رسالتها كانت واضحة للجميع وغير خفية، كان الاستحضار والتغييب فيها مفعما بنكهة التسويق السياسي والايديولوجي.. حط لشأن نفر من الحضور هنا وإعلاء لشأن آخرين هناك، وكأن عدسة المخرج كانت عوراء تنظر بعين واحدة.. هكذا نقلت كاميرا القناة الاولى صورة مراسم الجنازة، لا بحساب العدل والموضوعية اللذين تقتضيهما المهنية والحرفية والحياد، بل بحساب الاصطفافات والتموقعات السياسية والايديولوجيا التي لا تساوم، خاصة ونحن على أبواب مواعيد انتخابية حاسمة، والصورة خير رافعة..

إعلام الشعب حاد بعدسته عن رغبة الشعب، تحرّكت كاميراه “بالتيلت”(Tilt) من الأسفل إلى الأعلى و”بالبان” (Pan) أفقيا من اليسار إلى اليمين والعكس بالعكس، وبالزوم (zoom) بتكبير الصورة،  و”بالدولي” (Dolly) بتحريك الكاميرا مثبتة نحو الأمام ونحو الخلف، ورغم كل ذلك لم تبصر هذه الكاميرا أول رئيس حكومة بعد الثورة حمادي الجبالي فغيبته، ولم تبصر  الرئيس السابق منصف المرزوقي وقد وارته خلف فائز السراج وأشاحت عنه بوجهها، ولم تبصر  راشد الغنوشي الذي ابتلعه الحشد في الخلف، ولم تبصر علي العريض ولا حمة الهمامي وهوما يمدان ناظريهما علهما يستطيعان أن يبصرا ما عجزا عن إبصاره من بعيد.. كاميرا قناة الشعب لم تبصر أيضا النائب الأول للبرلمان عبد الفتاح مورو الذي أبى إلا أن ينزّل وصية الرئيس الراحل ويشيّع جنازته مشيا على الأقدام حتى لو أعياه الطريق.. في المقابل أبصرت الكاميرا كل من أرادت أن تبصره، سواء كان في مقدمة الصفوف أو في الخلف أو متواريا عن الأنظار..

فقط لحظة صلاة الجنازة على الرئيس الراحل، حين توارى من توارى من أصدقاء الكاميرا في الخلف، واصطف من اصطف في المقدمة وراء الامام، اضطرت عدسة قناة الشعب حينها على مضض صاغرة لا مخيرة لتسليط الضوء على صورة يظهر فيها أعداؤها فبان راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو اللذين اعتقد الكثير من المشاهدين حتى تلك اللحظات أنهما لم يحظرا مراسم الجنازة..

لقد كرّست عدسة كاميرا تلفزة الشعب في نقل جنازة الرئيس الراحل وبامتياز  منطق الاقصاء وهيمنة شق على شق آخر، وتردت الكاميرا ومن يقف وراءها إلى المستنقع الإيديولوجي بقوة.. وكان الاصطفاف السياسي والحزبي والايديولوجي هو اللّغة الوحيدة التي تكلمتها صورة كاميرا “الوطنية” الأولى، بل هي اللغة الوحيدة التي تكلمها إعلام لم يستطع أن يتحرر من لعنات التحزب والاصطفافات والتجاذبات، التي شوّهت إدراكه وعطّلت الحقائق لديه، ونسفت مهنيته، ونزلت به إلى القاع. مرض الاصطفاف لمن ابتلي به من الصحفيين أصابهم بعطب بنيوي في تركيبتهم الذهنية والثقافية، هاجم لديهم العقل أو القوة العاقلة بتعبير الفلاسفة القدامى، وعطّل لديهم ملكات التفكير النقدي والموضوعي بما يرتبط بها من قدرة على نقل الصورة مكتملة بكل أجزائها واستحضار المعطيات وقراءتها قراءة صحيحة والقدرة على تحليل تلك المعطيات، وهي خطوة ضرورية لإصدار الأحكام واستخلاص النتائج وبناء المواقف.

إنّ انتماء الصحفي فكريا وإيديولوجيا ليس ذنبا يؤاخذ عليه ولا خطيئة تعاب عليه، ولكنه قد يتحوّل إلى خطيئة إذا تحوّل انتماء رجل الإعلام إلى حزب سياسي أو مذهب ديني أو طائفة عقدية، إلى انتماء متعصب ضد ما هو مخالف أو مختلف عما يؤمن به. لأنّ انتماءه بهذه المواصفات يجعل الصحفي أسيرا لعدد من القوالب الجاهز ة والصور النمطية فيصير تفكيره حبيسا لتلك القوالب والمقولات لا يستطيع عنها فكاكا.

كان من العسير على من يقف وراء كاميرا قناة الشعب وهو ينقل مراسم الجنازة بعين عوراء أن يلتزم العدل والإنصاف في النقل، وهو أمر لا يتحقق إلا باستقلالية التفكير. حينها فقط يكون الإعلامي قادرا على ملاحقة الخطأ والخلل من دون مداهنة أو تدليس أو إغفال، من أجل تحيّز لطرف دون آخر، ويضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل المصالح إذا ما تعارضت مع المصالح الفئوية بكل أشكالها..

كان عسيرا على كاميرا القناة العمومية أن تتنبه إلى أنّ اصطفافها لا يعطيها الحق لكي تتحوّل إلى معول للهدم أو سيف مسلّط على رقاب خصومها، فذلك دليل على جهل صاحب مثل هذه الرؤية بحقيقة وفلسفة الإعلام وإن كان حزبيا، كما أنه دليل على أنّ صاحبه غير مهني ويمتطي الإعلام من أجل تسليط أضواء عدسته على من يوالي ويشيح بها عن خصومه ومن يختلف معهم فكريا وإيديولوجيا.

كانت صور جنازة الرئيس الباجي قايد السبسي كما نقلتها كاميرا “الوطنية” الأولى إذا، عرجاء وعوراء وغير مكتملة، ولكن لسوء طالعه دخل “المواطن – الإعلامي” والمدون على الخط فأحرجه وكشف قصوره، فعدّل الصورة وأكملها بكلّ تفاصيلها ونشرها للعموم، المواطن الصحفي قال لكاميرا الإعلام الحرفي والمهني من خلال الصور التي تناقلها، إنّ السبسي رئيس التوافق ولكن شريكه في تلك الخلطة السحرية الذي تجاهلته عدساتكم وغيّبته راشد الغنوشي كان حاضرا إلى جانب رفيقه وشريكه في كل محطات الجنازة لم يتركه إلى أن وري التراب..

المواطن الصحفي قال لمخرج الجنازة تلفزيا، أصدقاء عدستك الذين وشحّت بهم الشاشات أثناء الجنازة، لم يكن لهم فضل لا في التوافق ولا في استقرار البلاد ولا في ثورتها ولا في ديمقراطيتها ولا في انتخاباتها، ونهشوا لحم الرجل حيا فقط لأنه رفض منطقهم الاقصائي واختار أن يكون ديمقراطيا ومنتصرا للثورة، التي كان لها الفضل في ترأسه لتونس، لذا اقتصار الصورة عليهم جعلها عرجاء ومشوهة فعدلناها..

المواطن الصحفي قال لصاحب الكاميرا ومعلّمه، دموع أصدقاء عدستك وحزنهم لم تكن بصدق وعفوية من تعمّدت تغييبهم فكان لا بد أن نكمل بهم الصورة لتكتمل جميع أبعادها بكل صدق وأمانة وحرفية..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق