راي رئيسي

مات الرئيس.. من سيكون ربع الرئيس؟

– نور الدين الختروشي –

بعد الموت المفاجئ للرئيس الباجي قايد السبسي لم ترتبك تونس الديمقراطية على ما تمنى وروّج إعلام بعض الدول الخليجية المعادية ومرّرت قصر قرطاج لرئيس مجلس النواب ليتولى بالنيابة مهمّة الرئاسة بسرعة وسلاسة احتفى بها التونسيون وأبهرت المتابعين من الخارج.

الباجي كان “الرئيس الأخير” في جمهورية ثانية أمعنت في نزع الصلاحيات من مؤسسة الرئاسة ولم تترك لها سوى ملف الدفاع والخارجية، ومع ذلك استفاد الباجي من مخيال شعبي عميق يختزن صورة الرئيس/الأب ليحكم كزعيم يمسك بمصير شعب.

الباجي كان وريثا شرعيا لجيل الاستقلال من بناة الدولة الحديثة ولم يمثل فقط رجل الدولة من ذلك الجيل بل جسده بإعادة إنتاج صورة بورقيبة الزعيم، وأثبت بتأسيسه لحزب نداء تونس وفوزه بأول انتخابات رئاسيّة حرّة ومباشرة حاجة تونس الجديدة للتواصل مع أرث الدولة البورقيبية في مفارقة أذهلت رومانسيات الثورة التي كانت تحلم بالقطيعة الجذرية مع الماضي.

الباجي الذي كان “نصفه القديم” محلّ رهان تونس الجديدة في رحلة العبور الصعب من زمن دولة الوصاية على المصير العام إلى دولة العقد الاجتماعي لم يخذل الثورة ولكن لم يسعدها بتحقيق رغبتها في تصفية القديم. وعند هذا المفصل برزت استثنائية الرجل وقدرته السياسية العالية على تلمس وتقمص دور تاريخي فارق في زمن مابعد ثوري هائج ومتموج ومفتوح على الاحتراب والتهارج الوطني.

لا أدري إن كان ذلك من أثار الذكاء التونسي أم من أقدار التجربة التي ولدت بقدر وانتزعتنا بقسوة ناعمة من القدر إلى التاريخ، وبسلاسة وسيولة أنيقة عنوانها تحقيق الممكن من المطلوب السياسي وإنجاز المطمح من الحلم من التاريخي على قاعدة تصفية إرث النظام القديم مع الحفاظ على الدولة.

الباجي قايد السبسي كان جسر العبور الصعب والصلب من زمن الاستبداد إلى زمن الحريّة ويمكن الجزم أنه كان هنا رجل التاريخ وليس رجل السياسة.

رحل الباجي وبكاه شعبه بحرقة الاعتراف له بجميل ما أنجز كزعيم أوّلا وكرئيس ثانيا وكأب ثالثا.

رحل “الرئيس الكامل” وبدأت رحلة البحث عن “ربع رئيس” لتعلن تونس للعالم أنها قطعت حبل صرّتها مع زمن الوصاية على المصير العام، ومع حاجتها للحاكم/البطل. فتونس الجديدة تتخلّى بمرح تاريخي وديع عن بنية ذهنية عربية لم تعرف إلى حدّ الساعة زمن مابعد “وليّ الأمر” وكل المؤشرات تحيل على موعد مع نجاح تاريخي وازن تنتظره قرطاج بتصميم رصين.

المرشحون لوظيفة الرئاسة أغلبهم ومن خلال ما صدر عنهم يتناسون أنهم في سباق للفوز بوظيفة سيادية محدودة دستوريا ومضبوطة قانونيا بمنظومة حكم جديدة جوهرها منع مركزة السلطة وتقسيمها بين البرلمان والحكومة والرئاسة.

فوضى المشهد السياسي وعبث أغلب الفاعلين في مربعه يجعل من الاستحقاق الرئاسي الذي سيسبق التشريعيات مجرد بروفة للتعود على سنة التداول على قرطاج بقطع النظر عن جدية الأسماء المرشحة وجدارتها بالمنصب.

ربع الرئيس المنتظر سيكون مجرّد موظف للشأن العام يسود ولا يحكم ويتصرّف ولا يقرر ويمثل (السيادة) ولا يجسدها.

الغريب المستغرب عند الوقوف على خطاب المترشحين لقرطاج هو نسيان هذه الحقيقة أو تناسيها وما مؤشرات حدّة التجاذب وشراسة المعركة الانتخابية إلّا تعبيرا عن حقيقة تجاهل الجميع لهذا المعطى المفصلي الذي كان المسطرة التي وضعها دستور الجمهورية الثانية على حد النقلة من الجمهورية الشكلانية إلى الجمهورية الحقيقية.

طريق الحكم في تونس اليوم بوصلته باردو ومستقرّه القصبة ومحطة استراحته قرطاج. ويأبى المترشحون الاعتراف بهذه الحقيقة لا لغباء أو جهل أو تغافل بل لأنّهم يعرفون أن الضمير الجمعي للشعب مازال مشدودا إلى وصاية قرطاج على المصير العام.

رحيل الباجي أعاد توزيع الأوراق والأدوار في المشهد السياسي وفتح المجال لإعادة تشكل الخارطة السياسية. فأوّل تداعيات رحيله كان موت حزب النداء وغيابه عن مشهد كان يملك أهم مفاعيل حراكه وتشكله وموت النداء في الحالة ليست مجرّد نهاية من نهايات الأحزاب التي تعوّدنا على إعلانات نعيها بعد الثورة بل تأشيرا نهاية مرحلة كانت السياسة فيها تنتج المعاني الكبرى المشدودة على واجب الحفاظ على الوجود السياسي في مقابل ممكن نسفه وشطبه بالعودة إلى زمن ما قبل الدولة.

تتعدد اليوم أسماء المرشحين لخلافة السبسي ولكن لا أحد منهم يملك القدرة على إعادة إنتاج المعنى الوطني وجميعهم مشاريع رؤساء عابرون في قائمة كمية وصفراء لن تسجل في باب الذاكرة بل ستعلق في ركن قصي من يوميات السياسة الباهتة والرتيبة.

انتهت في المجال الوطني ثنائية الخوف والأمل التي تصنع الزعماء والأبطال واستوطنت عندنا ثنائية النجاح والفشل التي تنتج عمال الشأن العام. هنا حد الفصل والوصل التاريخي بين عهدة السبسي التي كانت لحساب المعنى والذاكرة والتاريخ وعهدة القادم من بعده التي ستكون لحساب السياسة والإدارة والجسد.

حزينة تونس لفقدها الرئيس ولكنها مرتاحة لحقيقة أنها ستستمر بدون الحاجة للرئيس.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق