الافتتاحية

الغنوشي يختار مورو ..
النهضة تكسر عقدة الرئاسية

– محمد الحمروني –

لم تكن الأمور قد حسمت بعد، وكل الدلائل كانت تشير إلى تباين كبير في وجهات النظر بين أعضاء مجلس شورى النهضة.. وكانت نقطة الخلاف الرئيسية الاختيار بين تقديم مرشح للانتخابات الرئاسية من داخل الحركة، أو الذهاب إلى دعم مرشح من خارجها ضمن شروط معينة أهمها أن يكون مرشحا توافقيا وأن يحافظ على المسار الديمقراطي..

لم تكن الامور قد حسمت حين طلب الغنوشي وقتا مستقطعا للتشاور قبل أن يعود ويعلن حسمه للخلاف الدائر في الشورى لصالح مرشح من داخل النهضة ثم وفي مرحلة ثانية تقديمه لعبد الفتاح مورو كمرشح للحركة للانتخابات الرئاسية.

المعلومات الواردة من داخل الشورى– مثلما ستقرؤون في ثنايا هذا العدد – ومثلما أكد نور الدين البحيري في تصريح لــ “الرأي العام” تفيد بأنّ المجلس “خوّل لرئيس الحركة اختيار مرشح للرئاسية، ورغم أن القانون الأساسي يمنحه حق ترشيح نفسه للمناصب السياسية العليا، أو ترشيح غيره، اقترح رئيس الحركة على مجلس شورى الحركة التخلي عن حقه في الترشح، ليفوّض نائبه الأول عبد الفتاح مورو ليكون مرشح الحركة للانتخابات الرئاسية، وهذا ما تم التصويت عليه بإجماع 98 صوتا.”

التصويت على ترشيح مورو تم بأغلبية كبيرة ما يعني عودة التوافق والاجماع داخل شورى النهضة بعد فترة من التباينات الحادة بسبب الخلاف حول القائمات التشريعية، وهو ما يعطي لترشيح مورو رغم المحاذير التي سنتحدث عنها، بعدا أكبر من مجرد ترشيح شخصي بل هي “ضربة” معلم من الغنوشي الذي هدف من وراء ذلك إلى جملة من الأهداف منها:

  • إحداث زخم انتخابي في الرئاسيات، وتحشيد أكبر قدر ممكن من قدرات الحركة، بما في ذلك تلك التي ركنت إلى السكون والسلبية بفعل بعض التجاذبات الداخلية. وتجاوز مرحلة المغالبة بين بعض أبناء الحركة بسبب مفاعيل كثيرة منها مخلفات المؤتمر  الـــ 10 وتشكيل القائمات للانتخابات التشريعية.
  • محاولة الاستفادة من الزخم الذي من المتوقع أن تحدثه الحملة الانتخابية الرئاسية والاستفادة منه في الانتخابات التشريعية.. اعتبارا لكون النتائج التي سيحققها أي طرف في الدور الأول من الرئاسيات سيكون لها تأثير مباشر وحاسم على التشريعية.
  • كسر عقدة الرئاسية وما يقال عن خطوط حمر إقليمية ودولية تمنع الحركة من تولي المناصب العليا في الدولة.
  • التأكيد على ضرورة الانضباط الحزبي: فلا مجال لترشيح أي شخص من خارج المؤسسات سواء أكان نهضويا أو كان مسنودا من قبل شخصيات نهضوية، من خارج الأطر الحزبية، وفي ذلك تستفيد الحركة بوضوح من دروس انتخابات 2014 عندما تركت حرية الاختيار لأبنائها ولم تدعم شخصا بعينه، وهو ما كانت له نتائج سلبية كثيرا على الحركة وصورتها .

رغم كل ذلك إلا أن ترشيح مورو لم ينه الجدل حول محاذير ترشيح شخص نهضوي إلى أعلى هرم الدولة، ورغم أن هذا الجدل حسم “فنيا أو إداريا”، فإن العديد من الشخصيات النهضوية والكثير من أبناء الحركة، تتقاسمهم أو تتجاذبهم مشاعر متباينة بين “الابتهاج” بتقديم مرشح جدي وحقيقي وقادر على افتكاك أصوات من خارج دائرة أبناء النهضة وأنصارها.. وبين المخاوف من تكرار بعض التجارب الفاشلة على غرار السيناريو المصري..

وهنا تحديدا تعود الذاكرة بالكثير من أبناء الحركة الذين عركتهم السنون والتجارب إلى انتخابات سنة 1989 التي تؤكد تقييمات رسمية للحركة أنها كانت السبب الرئيس في بث الخوف والرعب من النهضة ومكنت الرئيس المخلوع من تحشيد كل القوى السياسية وقوى المجتمع المدني ضدها، وهي التي جعلت الجوار الاقليمي والدولي يعطي الضوء الأخضر لبن علي كي يسحق الحركة وينكّل بها كما لم يفعل أحد من قبل.

نفس الهواجس تعود اليوم وسط مشاعر الابتهاج الجياشة التي تطغى اليوم على قبيل كبير من أبناء الحركة، وهي نفس الحالة التي عاشها أبناء النهضة وهم يجتاحون انتخابات 1989 فيما كان العدو يحد لهم سكاكينه ويعد لهم الإطار المناسب للإجهاز عليهم ..

هذه الهواجس حقيقية وواقعية وليست مجرد فزاعة أو تخويف بالسيناريو المصري.. ونحن نذكر بها حتى لا تأخذ ابناء النهضة الحماسة أكثر من اللزوم، وحتى يكونوا قادرين على وضع حد لهذه الحماسة في الوقت المناسبة إن لزم الأمر..

الفرق بين 1989 واليوم أن المتهم بجرّ الحركة إلى المحظور كانت القيادة، أما اليوم فإن العكس على ما يبدو هو الصحيح إذ أن القواعد هي التي تدفع بقوة باتجاه ملامسة اقصى حدود المناورة السياسية الممكنة للنهضة.

والفرق الثاني أن الغنوشي اليوم هو ضمانة حقيقية للحدّ من “مدّ العاطفة”.. ومن قبلوا بترشيح مورو رغم الهواجس التي تحدثنا عنها، او جزء منهم على الأقل، فعلوا ذلك وهم مطمئنون إلى حد ما لأن الغنوشي الذي عرف “بحنكته ودهائه، وبأنه محاسبي كبير في السياسة” وافق عليه، بل هو من اقترحه كمرشح بدلا عنه، فترشح مورو بدون موافقة الغنوشي يبقى هشا وضعيفا ومثيرا للمخاوف أكثر مما هو عنوان تفاؤل ..

أقول هذا الكلام لأننا سنرى بداية من اليوم وربما بدأنا نرى حملة كبيرة تتحدث عن تغوّل النهضة في محاولة لإعادة التحشيد على أساس الاستقطاب من جديد.. وفي هذه الحالة فإن قدرة الغنوشي على المناورة السياسية وايجاد الحلول والمخارج للمشاكل التي قد تستجد، وتشكيل التحالفات وايجاد التوافقات الممكنة، ستكون حاسمة، بمعنى أن ترشح مورو الذي قد يكون مطبوعا أكثر بالعاطفة بحاجة إلى غطاء من عقل سياسي يجيد قراءة التوازنات الاقليمية والدولية علاوة على ما عرف به في الداخل من حرص على التوافق والمشاركة السياسية للجميع دون اقصاء أو تهميش.

هذا العقل السياسي هو نفسه الذي ظل يبحث عن العصفور النادر، وظل يحاول ايجاد توافقات سواء مع الشاهد أو مع غيره إلا أن هذا الأخير تأخر كثيرا في حسم أمره والدفع بقيادات حزبه إلى القبول بشراكة متفق عليها وموثقة وممهورة بين الطرفين..

هذا العقل الذي قبل بمنصب نائب في البرلمان وتنازل عن حقه في الترشح للرئاسة ومنح نائبه هذا الشرف، هو ليس فقط قادر على المناورة بل هو يرسم نهجا جديدا في ممارسة السياسة في بلادنا، نهج يمكن أن نطلق عليه “الغاندية” الجديدة، وهو نهج يقوم على تجنب الصدام لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف..

بين العقل والعاطفة، بين الواقع الصلب والرغبات الجياشة، تدار المعركة الانتخابية بالنسبة لابناء حركة النهضة، والفائز فيها سيكون الاكثر قدرة على التحكم في فائض الاحاسيس والرغبات التي قد تبدو مشروعة لفائدة العقل والحكمة والتقدير الجيد للواقع والتحكم في الوقت نفسه في فائض القوة حتى لا ترتد على أصحابها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق