راي رئيسي

من يدفع بالانتخابات الرئاسية من منافسة جادة بين الكبار إلى عرض هزلي؟

– لطفي هرماسي –

خلال الحملة الانتخابية لرئاسيات 2014، حين تحجج خصوم ومنافسو المترشح الراحل الباجي قائد السبسي بتقدمه في السن، وضعف قدراته البدنية مما يمكن ان يدخل البلاد في أزمة في صورة تدهور وضعه الصحي أو وفاته، نالهم من أنصاره وجل مقدمي البرامج التلفزيونية الذين انخرطوا في جوقة النداء آنذاك كثير من التقريع والترذيل والتوصيفات الأخلاقوية التي اعتمدت شعار “الأعمار بيد الله”.

ومن حسن الحظ، وترأف المولى عز وجل بهذا الوطن، أن الرئيس الباجي رحمه الله قد أنهى تقريبا كامل عهدته الرئاسية رغم وفاته المفاجئة التي بقدر ما كانت امتحانا لوحدة بلادنا وقدرة منظومتها القانونية لتأمين انتقال سياسي ناجح وسلس، بقدر ما أربكت الرزنامة الانتخابية بتقديم الرئاسية على التشريعية وذلك عملا بمقتضيات الدستور واحتراما للآجال الدستورية.

من 25 جويلية 2019 تاريخ وفاة الرئيس الباجي إلى يوم 2 أوت الجاري موعد فتح باب الترشحات للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، لم تمهل الآجال المترشحين المفترضين لهذه الانتخابات سوى 8 أيام عوضا عن 33 يوما وفق الرزنامة السابقة، وبات جميع المترشحين المفترضين في سباق مع الزمن من أجل تجميع التزكيات، خاصة منهم الذين لا ينتمون إلى أحزاب ممثلة بمجلس نواب الشعب.

والحقيقة أن سباق الانتخابات الرئاسية وإعلان نوايا الترشح انطلق منذ أمد بعيد، إذ شهد المتابعون إعلان عديد الشخصيات والزعامات السياسية عن رغبتها في خوض هذه المنافسة، بل أنه من الطبيعي أن تخوض الأحزاب السياسية الرئاسيات من خلال ترشيح زعمائها، بحيث أننا نجد دوريا منافسين تقليديين على كرسي قرطاج من قبيل المنصف المرزوقي، وحمة الهمامي، ومصطفى بن جعفر، ومحمد الهاشمي الحامدي، وكمال مرجان، كما نتوقع أن نجد في نفس الخضم منافسين آخرين ظهروا خلال المدة النيابية من خلال لعب أدوار مختلفة نيابية أو وزارية أو زعامة أحزاب حديثة النشأة والتكوين على غرار يوسف الشاهد، ومحمد عبو، وعبير موسي، وسعيد العايدي، ومنجي الرحوي، وعبد الكريم الزبيدي وغيرهم.

يوم الجمعة 2 أوت الجاري، فتح باب الترشحات للانتخابات الرئاسية، وسط تساؤلات جادة من قبل المتابعين حول هوية الذين سيتقدمون لأهم استحقاق سياسي سيادي رغم محدودية صلاحياته. وكان عدد المقبلين على تقديم ملفاتهم منذ اليوم الأول هاما مثلما كان متوقعا خاصة لما لعلاقة الرئاسية بالتشريعية من ارتباط وثيق بالنسبة إلى الأحزاب الكبرى في علاقة بإدارة الحملتين اللتين تعتبر الثانية منهما تتمة للأولى، وبقدر ما تنجح الأحزاب في تسخين أنصارها وتدريبهم وتحفيزهم في الرئاسية بقدر ما تجدهم جاهزين ومستعدين لحملة التشريعية التي هي في عرف جل مكونات الساحة السياسية أكثر أهمية وتأثيرا في تأثيث المشهدين الحكومي والنيابي خاصة ونحن في نظام سياسي برلماني معدل تتكثف فيه السلطة أكثر في البرلمان وفي تشكيل الحكومات.

إلى حد كتابة هذه الأسطر تقدم تقريبا جل المترشحين المفترضين بملفاتهم إلى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مرفوقة بكل الوثائق والتزكيات المطلوبة، وقد وصف أنيس الجربوعي عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ملفات هؤلاء ”بالجدية” نذكر من بينهم المنجي الرحوي بـ 10 تزكيات برلمانية ومحمد عبو بـ 13782 تزكية من الناخبين ومهدي جمعة بـ 24322 تزكية من الناخبين ونبيل القروي بـ 12 تزكية برلمانية ومحمد لطفي المرايحي بـ 12855 تزكية من الناخبين وعبير موسي بـ 15366 تزكية من الناخبين في انتظار الكشف عن مصادر وعدد تزكيات المترشحين حمة الهمامي ومهدي جمعة وحمادي الجبالي وناجي جلول والصافي سعيد ومحمد المنصف المرزوقي و ويوسف الشاهد وعبد الكريم الزبيدي، وفي انتظار تعويض المترشح قيس سعيد تزكياته التي سرقت منه وتم بيعها في سوق النخاسة الانتخابية من قبل من وضع فيهم ثقته لتجميع التوقيعات لصالحه..

في جانب آخر شهدنا تقدم مترشحين بمطالب غير مستوفية الشروط ولا المواصفات، هم مرشحون فلكلوريون يبحثون عن شهرة مؤقتة ويعتبرون أنهم بإقدامهم على الترشح سيضيفون سطرا قصيرا في سيرتهم الذاتية يشير إلى (مترشح سابق للانتخابات الرئاسية).

ويبدو أن هرولة عدد كبير من المرشحين للدفع بأسمائهم في أتون السباق الانتخابي الرئاسي ناتج عن عدم اداركهم لأهمية منصب رئيس الجمهورية في علاقة بالأمن القومي وفي رسم السياسة الخارجية للدولة، وينتظر أن تواجه هيئة الانتخابات هذا النوع من الترشحات بالرفض لعدم استيفائه للشروط القانونية للترشح، والمتمثلة في إيداع الضمان المالي وعدد التزكيات المطلوبة.

وقد قابل جل التونسيون باستثناء الشعبويين منهم هذا النوع من المترشحين بالاستغراب والاستهزاء والتندر والاستهجان سواء في المجالس الخاصة والمقاهي أو على صفحات التواصل الاجتماعي التي انتشرت بها تدوينات وصور تتهكم من تصريحات بعض هؤلاء الذين دعا بعضهم لحل الأحزاب والبعض الآخر إلى تعدد الزوجات وادعى البعض الآخر أنه يقف وراء نجاح رئيسي الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

كما تناقل التونسيون صور مرشحين لا تدل هيئتهم ولا ملامحهم على جدية ترشحاتهم من بينهم أمني بربطة عنق مترهلة وملتح بقميص غريب الألوان والأشكال وشيخ بكسوة وربطة عنق وتبان أزرق ظاهر باد للعيان يطل من أعلى السروال.

من الغريب أيضا أن تشهد فترة تقديم الترشحات تقدم فنان متشرد ومتعاط للمخدرات لهيئة الانتخابات بمطلبه. فقد أثار ترشح الفنان عبد الحميد بن عمار للرئاسيات سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي معتبرين أنه استغل تعاطف الناس معه في هيئته وتشرده وفقره وهو يلوح بيده لجثمان الرئيس الباجي ويبكيه بحرقة، وتكريمه من قبل وزير الثقافة ليعلن عقب ذلك عن ترشحه للاستحقاق الرئاسي.

كما أثار أستاذ بكلية العلوم القانونية والسياسية بتونس الجدل، بعد ظهوره في برنامج تلفزيوني وهو يتعاطى المخدرات علنا أمام التونسيين مطالبا بتقنين تعاطي المخدرات، ومعلنا عن تأسيس حزب “الورقة” الذي يهدف إلى تشريع استهلاك القنب الهندي والذي اختار لنفسه شعار “بحزب الورقة تونس ترقى”..

مترشح آخر مثير للجدل ظهر في أروقة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يتأبط ملف ترشحه لرئاسيات 2019، هو المحامي منير بوعتور رئيس جمعية شمس للدفاع عن المثليين ليعلن بكل فخر واعتزاز بأنه يسعى لأن يكون أول رئيس عربي مثلي.

وفي تعليقه على هذه الظواهر الغريبة المسترابة أعتبر عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عادل البرينصي أن (أطرافا) لم يحددها تدفع أشخاصا غير معروفين للترشح من أجل تقزيم منصب رئاسة الجمهورية وتشويه العملية الانتخابية والتشكيك في مسار الانتقال الديمقراطي داعيا الصحفيين إلى تجنب التركيز المبالغ فيه على مترشحين سيتم إسقاطهم بمجرد البت في ملفاتهم.

في ظل كل هذا الكم من الهزل ومحاولة تحويل الانتخابات الرئاسية من منافسة جادة بين الكبار إلى عرض هزلي في سيرك عمار من حقنا أن نتساءل عن هوية الأطراف التي تدفع بنكرات بملامح غريبة وتصرفات مريبة لأداء أدوار ساخرة من شأنها أن تزيد من ترذيل الحياة السياسية وتسطيحها ونزع هيبتها و وقارها مستهدفة صورة أعلى منصب في الدولة، ومن المؤكد أن هذه المهازل ستدفع النخبة السياسية إلى مزيد التفكير الواعي في تقديم مبادرات تشريعية تهدف إلى ترشيد الترشح إلى المناصب العليا بالبلاد ومزيد ضبطه وحمايته من العابثين والمهرجين والحالمين والمكلفين بمهام مقابل حفنة من الدنانير.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق