راي رئيسي

غداة الانتخابات الرئاسية .. تونس في مفترق طرق إما الاستبداد والاقصاء أو الحرية والتعايش

– فائزة الناصر –

على هامش انطلاق السباق نحو قصر قرطاج، بدأت تلوح في الأفق ملامح المشاريع الانتخابية لأغلب المرشحين للرئاسة، مشاريع بدت خطوطها العريضة من خلال بعض التصريحات والخطابات التي استمعنا إليها في الأيام القليلة الماضية..

فبين عبير موسي التي لم تفوّت فرصة لتخرج علينا مهددة متوعدة حزب حركة النهضة ومنتسبيه بالسجن والنفي، وبين الزبيدي ونقاطه الخمس التي استهلها بالعمل على التطبيق الصارم للقانون “في ملفات الاغتيالات والتسفير والجهاز السري”. وبين محسن مرزوق الذي خرج داعيا التونسيين إلى إعطائه تفويضا شعبيا ليزيل اللثام عن الجهاز السري ومعاقبة المتورطين فيه بكل حزم، وهو الوعد ذاته الذي قطعته مرشحة الرئاسة سلمى اللومي على نفسها إذا حالفها الحظ وتم انتخابها رئيسة للتونسيين.. بين كل هذه التصريحات والخطب الانتخابية الاستباقية تتوضح لنا الخارطة الانتخابية والمشاريع والبرامج التي بناء عليها سيتم اختيار الناخبين لمرشحهم..

برامج تكشف لنا جليا أن الاختيار اليوم وفي هذه المحطة الانتخابية الحاسمة والمحددة سيكون محكوما بتوجهين كبيرين متوازيين لا يلتقيان، توجه يتبنى التعايش والوفاق الوطني والانفتاح والحريات والديمقراطية التشاركية، وتوجه آخر يتبنى الانغلاق والإقصاء والاستبداد..

إنّ هذه الخطابات الاستباقية التي أشرنا إليها وخلاصة ما جاء فيها كما يبدو لا تخرج جميعها عن خطابات الحروب والمعارك الطاحنة، وبقطع النظر عن المستهدف أو (Le cible) من هذا التحشيد والتأجيج فالنتيجة واحدة دعوات للتحارب والمعارك، وحرب الكل ضد الكل.. والمؤسف في كل ما يحدث أنّ عودة هذا الخطاب المشحون والموتور بقوة، والذي يغرقنا من جديد في مستنقع التضاد والتجميع على الضد والنفي والتعصّب.

خطاب يرتكز على التصفية الجسدية أو الاعتقال والحبس أو التشويه أو الافتراء أو الترهيب النفسي والفكري أو التأليب والتحريض ضد الخصم السياسي، مدع العصمة والبراءة والكمال، والحل السحري لكل المشكلات، لا يمكن أن يكون إلا معول هدم لا بناء.

لا يمكن أن يكون إلا وسيلة تهدد بتحول المجتمع من الأخذ بمفاهيم العمل السياسي الإصلاحي السلمي، نحو تلبّس النشاط السياسي العنيف، الذي يحمل في جوهره مقوّمات نفي الآخر ثم الاستبداد، الذي لا يمكن أن يؤدّي في نهاية الأمر إلى بناء مجتمع سياسي متمدّن، بقدر ما يقود نحو مجتمع مفكّك يقوم على الكراهية، ويزرع بذرات الحقد ويغذي جذوره. وهذا النوع من الصراع الذي يركب الديمقراطية يعيدنا في الحقيقة إلى صراعات العالم القديم التي تحسم فيها المعارك بإفناء الخصوم.. إمّا سياسيا أو معنويا أو حتى وجوديا.. وهذا النوع من الصراع مدمر، لأنه يعيدنا إلى صراعات الوجود والتنافي التام الذي لا يقبل بوجود آخر أو منافس، ولا يصنع مشروعا بقدر ما يصنع معركة..

هذ التوجه وهذه البرامج التي استمعنا إليها مؤخرا على لسان بعض المترشحين لرئاسة تونس تعود بالمشهد السياسي في الحقيقة إلى المستنقع الإيديولوجي بقوة، ليصبح التعصّب ومنطق “التطهير السياسي والفكري” هو اللّغة التي يتكلّمها السياسي الطامح في أعلى سلطة في الدولة، ويسقط الخطاب السياسي مجدّدا في النعرات الايديولوجية ويعيد شعارات بالية ومستهلكة وغير قابلة للتطبيق والترويج.. والمؤسف أنّ هذه الخطابات لن تصنع سوى نظاما منغلقا وأحاديا، يرفض التعدّدية والتنوع الفكري ويضيق بمفهوم الحرية، نظام متشدد لا يعترف إلا بالقالب الواحد للمجتمع، ويجنّد الشعب خلف مشروع واحد وقيادة واحدة ويضع كل العقول في قالب واحد، وعليه فإن كل أدوات الدولة كالصحافة والتعليم والثقافة والدين وغيرها تعمل على تحقيق هذه الأحادية والتحذير مما يمسها ويضعفها. ويتم التأكيد في هكذا مجتمعات على مفهوم السمع والطاعة والتصفيق وهز الرأس، والتخويف والتحذير من التمرد وكثرة المناقشة وطرح الأسئلة والتشكيك والنقد. وعادة ما تكون الثوابت كثيرة جدا في هكذا مجتمعات، وتنتشر ثقافة الخطوط الحمراء بشكل كبير، وتكون الممنوعات والمحذورات التي لا يحق لأحد لمسها أو الاقتراب منها كثيرة، كما تعطّل الطاقات، وتحرم المجتمع من فئته المبدعة والمنتجة للأفكار.. هذا في حقيقة الأمر ما تبشّرنا به خطابات الاقصاء والتجميع على الضد التي أضناه صداع تطوير بناها الفكرية والإيديولوجيات القديمة التي لم تعدّ متلائمة مع انتظارات الشعوب التائقة للتحرّر والانفتاح، تحاول أن تواريه من خلال مزايداتها على خصمها السياسي الايديولوجي ومحاولة استبعاده ونفيه وإقصائه..

هذا إذا توجه انتخابي سيكون خيارنا كناخبين محكوم قطاعا به، ولكن في مقابل خيار آخر مواز له.. خيار متمسك بالتعايش مع الآخر – المختلف وبالانفتاح، خطاب أو توجه يدرك جيدا أنّنا نعيش اليوم مرحلة البناء والتجاوز، وأنّ لحظة بناء الدولة لا يمكن أن تكون لحظة إيديولوجية ولا يمكن حملها من قبل فريق دون آخر، وأنها مرحلة لقاء الأضداد ووحدتهم..

توجه سياسي يعي جيدا أن المسار الثوري الذي نمضي فيه ونرفع شعاراته يستدعي بالضرورة تثوير قراءاتنا وقناعاتنا وتجاوز أصفاد الإيديولوجيا الكامنة في أعماقنا وننفتح على الآخر ونقبل به على اختلافه وتمايزه، ويدرك أنّ المعارك الإيديولوجية ما هي إلا مدخل يركبه مريدو الاستبداد، أعداء الحرية لينقضوا عليها كما أنقضّوا عليها من قبل مرات عديدة..

هو توجه يؤمن أنّ سياسة التوافقات هي التي سترسخ لغة الانسجام والتفاهم، ومسلك الجماعة وتمكن من الوصول إلى المساحات المشتركة الوسطى، حيث يلتقي الجميع على قاعدة التشارك وليس الاستئثار. وهي التي يجب أن تكون جوهر العملية السياسية وآلية مهمة في عملية إدارة المرحلة وتنظيم للاختلاف وإدارة التنافس، وتعالج كل مآزق غياب الأغلبية..

هو توجه ورؤية يمثل ضمانة لاستمرارية مبدأ التوافق لأنها تعتبره وصْفة نجاح سياسي واقتصاديّ واجتماعي، وتعمل على جعلها ثقافة سياسية واجتماعية، تتجاوز كونه مجرّد أداة برغماتية مصلحية ترتبط بإدارة مراحل محددة.. حيث تنتفي صفة الإقصاء السياسي الذي يعتبر مقدمة للفشل في بناء النماذج القادرة على مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية.

هذا التوجه الموازي للتوجّه الأوّل يطمح إلى توسيع نطاق الحرية بحيث يتسع المجتمع لقبول كل الأفكار والتحاور معها، لإنتاج أطروحات أقوى تضمن مزيدا من القوة والاستمرارية والثقة في المجتمع. وهو تحديدا منطق القبول بالآخر مع التسليم بالاختلاف..

إذا التونسيون اليوم سيكونون أمام مفترقي طرق يكون خيارهم محكوم بالضرورة بهما، طريق الانغلاق والتقوقع والاقصاء والاستبداد بالرأي وبالحريات، أو طريق الانفتاح والتعايش والحرية والديمقراطية، وبينهما يتنافس المتنافسون..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق