الافتتاحية

نحو دور ثان بين مورو والقروي
النهضة ومسؤولية قيادة المرحلة القادمة

– – محمد الحمروني –

زلزال ترشيح مورو لا زال يتفاعل، والهزة التي أحدثها لا زالت ارتداداتها تعتمل بشكل قوي.. ولا زالت التحليلات والقراءات والمواقف من هذا الترشيح تصدر بشكل مطرد رغم مرور أكثر من 15 يوما عن هذا الترشيح الذي تم الاعلان عنه يوم الثلاثاء 6 أوت خلال انعقاد مجلس شورى حركة النهضة للبت في كيفيات مشاركة الحركة في الانتخابات الرئاسية.

ترشيح يرى مراقبون أنه خلق حالة من التعبئة والوحدة والاستنهاض الكبيرة داخل النهضة ومكن من تجاوز الخلافات التي نشبت بُعيد الاعلان عن القائمات الانتخابية.. ولكن هذا الترشيح لم يتوقف عند هذا الحدّ فالكثير من أبناء النهضة ومن أنصار الاستاذ عبد الفتاح مورو يرون أن حالة التعبئة هذه ستتجاوز الداخل النهضوي إلى دوائر أخرى أوسع من المترددين ومن أنصار مرشحين آخرين ومن جهات كانت محسوبة سابقا على تيارات أو أحزاب بعينها.

ورغم محاولات التشكيك في جدية النهضة من ترشيح مورو، وادعاء أنّ هذا الترشيح تكتيكي، وأن النهضة قد تدفع بمورو إلى الدور الثاني ثم تقايض أو تفاوض به الاخرين، فإن حركة النهضة وقيادتها وعلى رأسهم الأستاذ راشد الغنوشي حسم الأمر عندما أعلن جملة من النقاط في هذا الإطار من بينها أن ترشح مور جدي وأن اسم النهضة ومكانتها في الساحة السياسية اليوم لا يسمح لها بأن تتلاعب بصورتها وبمستقبل البلاد.. وبالتالي الحديث عن مناورة من قبيل الانسحاب في الدور الثاني لمرشح آخر أمر غير قابل للتطبيق تماما، بل هو أقرب إلى الترّهات التي تنشرها دوائر من خصوم النهضة ومنافسي مورو وهدفها التثبيط لا غير.. فالنهضة في علاقة بترشيحها لمورو تؤكد كما جاء على لسان رئيس شوراها عبد الكريم الهاروني ستعمل بكل ما أتيت من عزم واجتهاد حتى يفوز مورو وستحاول أن يتحقق هذا الفوز من الدور الأول.

في جميع الحالات فإن قراءة أولية في موازين القوة وحظوظ المترشحين، والملكات والقدرات والخبرات التي تميز كل واحد فيهم، إضافة إلى من يقفون وراءهم وقدرتهم على التجميع تعطي الانطباع بأن مورو سيكون من أبرز المرشحين للدور الثاني، رغم أن بعض المتحمسين له، يتوقعون أن يحدث “تيارا” جارفا في الانتخابات بما يسمح له بإحداث المفاجأة من الدور الأول، وهذا في اعتقادنا صعب، وإن لم يكن مستحيلا.

وبناء على امكانية وصول مرشح النهضة الى الدور الثاني ماذا على الحركة ان تفعل؟

1 – يرى كثير من المراقبين أن على النهضة الاستفادة مما تحقق إلى حد الآن في تونس بعد الثورة، والتأكيد مجددا على أنها أم الولد، وأنه لولا تضحياتها وتنازلاتها المؤلمة، واختيارها نهج التوافق، لما تحقق للثورة شيء يذكر. وهي يمكن أن تستفيد من الزخم الذي حدث بمناسبة وفاة شريكها في الحكم الأستاذ الباجي قائد السبسي رحمة الله عليه، والذي أجمع التونسيون على الاشادة بحكمته وبإصراره خلال فترة حكمه على رفض الاقصاء ورفض العودة الى سياسة الاستقطاب. فإرث الباجي الذي يريد البعض أن يحصره في الحملة الانتخابية لــ 2014 وقيامها على جملة من الشعارات هي (الفوت اوتيل) والتوازن السياسي مع النهضة.. هذا الارث هو في الحقيقة تجاوز شعارات واستقطابات 2014 واختار التوافق والتعايش بدل الاحتراب الأهلي وحالة الشدّ والجذب التي كادت أن تدخلنا في حرب أهلية. إرث الباجي هو في الحقيقة إرث الغنوشي أيضا، الذي كان شريكا أساسيا للباجي في التوافق، وهو الذي تحمّل لوحده تقريبا كل تبعات تلك السياسة من الاتهام بالتخاذل والانبطاح وغير ذلك من التهم.. لذلك على النهضة أن تؤكد هذه المعاني وتؤكد أنها الوريث الحقيقي لمشروع الباجي وليس من يريدون إحياء سياسة الاقصاء والاستقطاب.

2 –  على النهضة أن تحسن التمدد في الفراغ القائم من حولها، وأن تعرف كيف تستفيد من غياب منافسة حقيقة في الانتخابات القادمة، ومن عدم وجود شخصيات مثل سي الباجي رحمة الله عليه، بكل ذلك التاريخ الذي يحلمه وكل تلك الكاريزما.. اليوم النهضة عليها أن تستفيد من تآكل المنظومة القديمة، ليس على المستوى التنظيمي – الحزبي فقط، وإنما أيضا على مستوى الشعارات التي رفعتها والتي انتهت بنا إلى هذه الحالة من التهميش والتفاوت الجهوي والتخلّف عن ركب الدول بما في ذلك الدول الافريقية التي كنا نرسل إليها التبرعات والمعونات. وعليها أن تستفيد أيضا من تشتت وهشاشة المشهد السياسي بما في ذلك الذي يقف على أرضية الثورة نفسها.

وهذا لن يكون إلا إذا نجحت النهضة في أن تقدّم نفسها على أنها وريثة المشروع الوطني، وان تقدم مور على انه مرشح وطني وليس مرشحا لحركة النهضة فقط، وعليها أن تقدّم مشروعا وطنيا يحافظ على افضل ما في الماضي، ويتجاوز  سيئاته، ويرفع شعارات تبنى للتونسيين حلما جديدا.

3 – وفي طريق البحث عن هذا المشروع الوطني، وهذا الحلم للتونسيين، على النهضة أن تولي الأوضاع الاجتماعية أهميتها، وأن تكون المعبّر عن تطلع أبناء الطبقات الضعيفة والمتوسطة، والمناطق المحرومة والمهمشة، خاصة وأن أبناء النهضة أغلبهم من هذه الفئات والمناطق. فالطبقة الوسطى التي تآكلت بشكل كبير وتراجعت قدراتها الشرائية، هي ضمانة الاستقرار علاوة على كونها الخزان الانتخابي الأكبر.. مقارنة بالطبقات الأخرى. والنهضة يجب أن تكون قوة للاستقرار وطمأنة التونسيين على أمنهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

في المقابل يبدو أن نبيل القروي بغض النظر عن كل ما يقال عنه وعن استغلاله لجمعية “يرحم خليل” ولقناة “نسمة” للترويج لنفسه بين الطبقات الضعيفة، بغض النظر عن كل ذلك يبدو أنه الأوفر حظا ليكون في الدور الثاني إلى جانب مورو.. وهو ما سيسهل من مهمة الاخير كما نرى.. ويجعل النهضة في مواجهة استحقاقات الحكم.. خاصة إذا ترشّح الغنوشي للبرلمان وبات هو ومورو في قلب نظام الحكم.

الأمر قد يثير بعض الهواجس، ولكنها مخاوف تبدو مبالغ فيها خاصة ما تعلّق منها بما يقال عن فيتو أو خط أحمر دولي يمنع النهضة من الوصول إلى قرطاج.. وهو الأمر الذي لا توجد دلالات قوية عليه في بلادنا، في هذه الانتخابات، بل لعل العكس هو الصحيح، فالخارج كما يقال، تهمه مصالحه، ومصالحه في استقرار البلاد والضمانة الأكبر اليوم للاستقرار في تونس هي حركة النهضة، باعتبارها الحزب الأكثر تنظيما وانضباطا ومسؤولية وعقلانية..

ما بين مورو والقروي، قد يتحدّد مصير قرطاج، وقد تبدو النهضة في طريق مفتوح إلى قصر الرئاسة، وهو ما يضيف لها عبئا إضافيّا، فهي لن تكون حاملة لآمال وتطلّعات التونسيّين فقط بل ستكون محلّ رقابة ومتابعة من باقي دول العالم الحرّ الذي يتمنّى النجاح للتجربة التونسية.. فهل سيكون أبناء النهضة في مستوى تطلّعات وانتظارات التونسيين وأنصار الحريّة والديمقراطية في العالم..؟ وهل ستكون الحركة قادرة على قيادة المرحلة القادمة باقتدار، وسط هذا الكم الهائل من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في الداخل والصراعات وعدم الاستقرار في الخارج بما في ذلك الجوار الإقليمي والعربي؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق