أهم الأحداثاقتصاد

ارتفاع احتياطي تونس من العملة الصعبة..
هل يعني تحسن في الوضع الاقتصادي؟

خبراء يؤكدون أنه تحسن دون المستوى المطلوب وتدحضه مؤشرات اقتصادية في تراجع مخيف

 – صابرين الخشناوي –

ارتفع احتياطي تونس من العملة الصعبة، بنسبة 35.3 بالمائة، إلى حدود 9 أوت 2019، ليبلغ زهاء 17 مليار دينار، رافعا قدرة الدولة التونسية على تغطية وارداتها إلى 95 يوما، وفق بيانات نشرها البنك المركزي التونسي.

وكان احتياطي تونس من العملة الصعبة قد بلغ في الفترة ذاتها من سنة 2018، أقل من 11 مليار دينار، مُتيحا بذلك تغطية 71 يوما من الواردات.

يُذكر أن صندوق النقد الدولي وافق في جوان 2018، على صرف القسط السادس بقيمة 247 مليون دولار (ما يعادل 730 مليون دينار) من القرض المسند لتونس بموجب اتفاق “تسهيل الصندوق الممدد”.
وقد أشار البنك المركزي إلى تطور حجم الأوراق النقدية والنقود المعدنية المتداولة في السوق، بنسبة 14.5 بالمائة، لتناهز قيمتها 14.2 مليار دينار، وذلك إلى غاية 9 أوت 2019، مقابل 12.4 مليار دينار سنة 2018.

وفي هذا الإطار أشار الخبير الاقتصادي صادق جبنون في تصريح لـ”الرأي العام” أن هذه الأرقام المقدمة من البنك المركزي أتت في نفس الوقت الذي صدرت فيه بيانات النمو من قبل المعهد الوطني للإحصاء، ورأينا أن نسبة النمو تراجعت إلى 1.2 في المائة من النسبة المقدرة من قبل الحكومة وهي 2.7 في المائة وأن نسبة النمو بالانزلاق السنوي لم تكن إلا 0.5 في المائة وهذا يعطي صورة حقيقية عن التناقض الموجود بين التحسن الظرفي في وضعية الاحتياطي من العملة ونسبة الاحتياطي من العملة ومن ناحية أخرى ضعف النمو وعدم عودة المحركات الرئيسية للاقتصاد للعمل بالنسق المطلوب خاصة الصناعات الميكانيكية والكهربائية التي تراجعت في هذا الإحصاء الأخير، أيضا القطاع الفلاحي بالرغم من الصابة الاستثنائية من الحبوب لكن في نفس الوقت رأينا تراجعا في تسويق زيت الزيتون بنسبة 40 في المائة.

وقال جبنون إن هذه الأرقام المقدمة هي في واقع الأمر نتاج حصول تونس على قروض من صندوق النقد الدولي (القسط الأخير) كذلك الإجراءات التقنية التي اتخذها البنك المركزي للحد من خروج العملة ورأينا ارتفاع نسبة السيولة في السوق إلى أكثر من 14 مليار دينار، لكن هناك عمليات تقنية لتجفيف السيولة لدى البنوك والحد من الطلب على العملة، كذلك من ناحية أخرى المؤسسات قامت باقتناء تجهيزاتها سنة 2018 وبالتالي سنة 2019 تقلص الطلب على التجهيزات القارة وبالتالي رأينا بقاء نسبة البطالة في مستوى مرتفع 15.3 في المائة وهي نسبة هيكلية.

واعتبر أن هذا التحسن هو في نهاية الأمر عملية تقنية في حاجة إلى التأكيد من الناحية الاقتصادية لأن التأكيد لم يأتي بعد بل بالعكس أتت نذر مقلقة (نسبة النمو الضعيفة وتباطؤ الاقتصاد الأوروبي والاقتصاد الدولي) وهذه كلها نذر يجب التعامل معها بكل حذر.

كما أشار جبنون إلى أن هذا التحسن التقني مرشح إما للتواصل إذا ما تبعه تحسن اقتصادي حقيقي أو للتدهور مثلما حذر من ذلك صندوق النقد الدولي إذا لم يتبعه تحسن في أساسيات الاقتصاد التونسي.

 

تحسن دون المطلوب

وأكد أن نسبة النمو الأخيرة هي دون المستوى المطلوب كذلك العجز التجاري الذي انفلت إلى مستويات غير مسبوقة وقد تجاوز نسق سنة 2018 ويتجاوز حتى عجز بعض السنوات قبل 2017، وبالتالي فإن هذه الأرقام يجب التعامل معها بحذر خاصة في هذا السياق الانتخابي.

وفي سياق متصل أوضح أن ارتفاع احتياطي العملة لن يكون له أي تأثير على سعر العملة المحلية ولا على انخفاض أسعار السيارات والعقارات كما يقول البعض، لأنه في كل مرة يرتفع فيها الاحتياطي ثم ينزل بسرعة، بالإضافة إلى آجال تسديد الديون وإلى الانخفاض النسبي للأورو والدولار الذي يعود إلى أسباب ذاتية للاتحاد الأوروبي وللولايات المتحدة الأمريكية، ثم إن هذه العملات الرئيسية بقيت في مستويات مرتفعة.

 

مؤشرات سلبيّة

من جانبه أكد الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي في تصريح لـ”الرأي العام” أن المؤشرات لا تكون إيجابية إلا إذا كانت ناتجة عن حسن اشتغال الاقتصاد التونسي يعني تحسن مؤشرات الاقتصاد الحقيقي (نسبة النمو الاقتصادي، نسبة البطالة، نسبة التضخم المالي) والتوازنات الداخلية والتوازنات الخارجية، إلا أن المعطيات التي لدينا إلى حد الآن لا تنبؤ بهذا، والدليل على ذلك أن توقعات صندوق النقد الدولي نزلت من 3.1 في المائة في ميزانية الدولة لسنة 2019 إلى 2 في المائة بالنسبة إلى نهاية 2019.

كذلك الأشهر المتبقية من هذه السنة هي أشهر انتخابية بامتياز وبالتالي هذه الأشهر فيها نوع من الضبابية وغياب الاستقرار السياسي الذي من شأنه خلق عزوف لدى المستثمر للإقدام على عملية الاستثمار.

 

لا وجود لمؤشرات لتعافي الاقتصاد التونسي

واعتبر الشكندالي أنه لا يوجد معطيات تؤكد أن الاقتصاد التونسي سيتعافى إلى درجة أن المؤشرات الاقتصادية ستتحول من الأحمر إلى الأخضر، وأن هذا التحسن المقدم من قبل البنك المركزي لديه عديد العوامل خاصة منها جملة القروض التي تحصلت عليها تونس من تسريح القسط الخامس إلى قرض الشركة التونسية للبنك وعديد العوامل الأخرى، منها الانتعاش على مستوى القطاع السياحي وكذلك الفلاحة رغم عجز الميزان الغذائي (وهذه المفارقة عجيبة في الوقت الذي شهدنا فيه وفرة في صابة الحبوب كذلك على مستوى بعض المواد الفلاحية).

كما شدد على أنه لا يمكن الحديث عن مؤشرات إيجابية على مستوى احتياطي العملة الصعبة وكذلك على مستوى التحسن الطفيف لقيمة الدينار التونسي إلا إذا كان هذا يعكس التحسن على مستوى الاقتصاد الحقيقي.

وقال 2 في المائة نسبة نمو اقتصادي مقارنة بـ3.1 في المائة يعني أقل من 75 في المائة يعني التنبؤات التي بدأنا بها، حسب تقديرات المؤسسات الدولية تشير إلى أن التحسن فقط على مستوى 75 في المائة من التقديرات، كذلك على مستوى مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء التي بينت أن نسبة النمو الاقتصادي في الثلاثي الأول لهذه السنة بلغت فقط 1.1 في المائة بالرغم من أن الاقتصاد التونسي عادة ما يفرز أفضل ما لديه في بداية السنة إلا أن نسبة النمو لهذه السنة ضعيفة جدا ولا يمكن أن نحقق أفضل من هذه النسبة خاصة وأن طبيعة المرحلة القادمة ستكون انتخابية بامتياز.

 

تحسن اصطناعي

وأشار الشكندالي إلى أن هذا الارتفاع لاحتياطي تونس من العملة الصعبة كان له تأثير على سعر العملة المحلية فقيمة الدينار التونسي تحسنت نوعا ما لكن هذا التحسن هو اصطناعي يعني أن طبيعة احتياطي العملة الصعبة الموجودة في البنك المركزي ليست ناتجة عن افرازات الاقتصاد التونسي بل ناتجة عن التداين والقروض (تحسن خارج عن الاشتغال الحقيقي للاقتصاد التونسي) وهذا التحسن سينقرض شيئا فشيئا مع حلول آجال سداد الديون.

أوضح الخبير المالي ياسين اسماعيل في تصريح لـ “الرأي العام” أن ارتفاع احتياطي تونس من العملة الصعبة سببه الرئيسي هو القسط الذي تحصلت عليه تونس مؤخرا من صندوق النقد الدولي كذلك القرض الرقاعي، بالإضافة إلى التحسن على مستوى المداخيل السياحية مع الوزير الحالي من خلال اتباعه سياسة التعامل بالعملة الأجنبية مما انجر عنه كثرة الطلب على السوق التونسية السياحية، مشيرا إلى أن هذا التحسن هو دون المطلوب لكن نأمل مزيدا من التحسن.

وأشار إلى أن هذا التحسن يؤكد أن القيادة الحالية للبنك المركزي هي أكثر تبصرا من القيادة السابقة بالإضافة إلى الشخصية القوية لمحافظ البنك المركزي وإلى خبرته (كان مسؤولا بالبنك الدولي وبصندوق النقد الدولي سابقا).

كما اعتبر أن المحافظ الحالي أدخل روحا جديدة على البنك المركزي، وغير السياسات النقدية، لكنه مازال مطالبا بتغيير بعض السياسات الأخرى كتحسين سعر صرف الدينار، التخفيض من التضخم المالي، رسكلة الادخار نحو توجيه الادخار للاستثمار المفيد لتحسن الناتج المحلي الاجمالي والأهم التخفيض في الفائدة المديرية.

 

ضرورة الترفيع في الاحتياطي الإجباري لقروض السيارات

وأكد الخبير المالي أن ارتفاع احتياطي تونس من العملة الصعبة سيكون له تأثير على سعر العملة المحلية وعلى الانخفاض في أسعار السيارات والعقارات، فهذا الارتفاع من شأنه التحسين في سعر صرف الدينار التونسي مما يساهم آليا في التخفيض في أسعار الواردات (السيارات لا يتم تصنيعها في تونس بل يتم استيرادها وبالتالي أهم واردات تونس هي السيارات) إلا أن هذا التحسن لا يستفيد منه الاقتصاد التونسي باعتبار أن السيارات لا تصنع في تونس وهذا يعتبر من الكماليات.

وشدد على أنه كان من المفروض على البنك المركزي الترفيع أيضا في الاحتياطي الإجباري لقروض السيارات لأنه من أهم أدوات السياسات النقدية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق