راي رئيسي

حقوق المرأة
بين الواقع الاجتماعي والتوظيف السياسي

– د. محمد التومي –

في بداية حكم الترويكا استنفرت القوى العلمانية واليسارية وضجّت بتعلّة الخوف على مكاسب المرأة التاريخية التي تعتبرها بمثابة قميص عثمان تلوّح به للخصوم السياسيين كلما دعت الحاجة إلى ذلك ومحاولة الوشاية بفريق سياسي مهم على الساحة الوطنية واعتباره عدوّا لدودا لقضايا المرأة واتهامه بكونه يسعى إلى السماح بتعدد الزوجات وختان القاصرات وإغلاق الباب على المرأة لتربية أبنائها دون المشاركة في الحياة السياسية.

وقد بات واضحا أن هذه التقارير التي تبعث إلى الاتحاد الأوروبي وغيره من الجهات العالمية هو من باب الوشاية الرخيصة التي لم تعد تجدي، ولكن رغم ذلك فقد تم إعداد “ملامح النوع الاجتماعي في تونس” في إطار تعاون الاتحاد الأوروبي مع الحكومة التونسية بهدف الأخذ بعين الاعتبار بشكل أفضل المسائل المتعلقة بالنوع الاجتماعي ضمن السعي إلى إرساء برنامج جديد للنهوض بالمساواة بين الرجل والمرأة في تونس وفق النموذج البورقيبي المزعوم.

ولعل هذه الوثيقة هي بمثابة تشخيص للوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمرأة والرجل والإطار التشريعي والقانوني في ما يتعلق بمسألة المساواة، وبالآليات المؤسساتية، وبالسياسات العمومية الرئيسية وبتدخلات المجموعة الدولية دعما للمساواة في مجال النوع الاجتماعي في تونس. ويستند هذا التشخيص إلى تحليل بشأن إدراج المرأة التونسية في سياسات الحوكمة ومسارات التنمية، مع التأكيد على الصعوبات التي تحول دون الاستفادة الكاملة للمرأة من حقوقها وقد تم اعتماد هذه الوثيقة في شهر جويلية سنة 2014، وقد أثنت بعثة الاتحاد الأوروبي على جميع الأشخاص الذين تمت استشارتهم وهم لون سياسي بات معلوما إضافة إلى المجتمع المدني، على المستويين المركزي والمحلي، وإلى وسائل الإعلام والخبراء والباحثين، الذين أتاحت مساعدتهم الثمينة ومهنيتهم إعداد هذه الوثيقة.

ولعله من المعلوم أن تونس شهدت منذ الفترة التي سبقت الاستقلال ولادة تيار نسوي من أجل استقلال البلاد، جنبا إلى جنب مع المنظمات الوطنية الأخرى، ولاسيما المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف، وقد تم إصدار مجلة الأحوال الشخصية التي مكنت المرأة من هامش واسع من الحقوق، فهي تمنع تعدد الزوجات والطلاق التعسفي من قبل الزوج، إضافة إلى إضافة مهمة في حقوق المرأة بفضل تعديلات إضافية أدخلت على المجلة لتصل المرأة إلى مصافي درجات الرجل عن طريق تعديل مجلة الأحوال الشخصية، وقانون الشغل، وكذلك المجلة الجزائية. وفد بزر في عهد نظام الهارب بأمره توجه نسوي تحركه الدولة، تاركا العدد القليل من المنظمات غير الحكومية والأحزاب السياسية المعارضة غير قادرة على الحركة. وتمكنت هذه المنظمات من استعادة مكانتها بدعم قوي من المجتمع الدولي ولكن دستور الثورة لم يتغاض عن هذه الحقوق فطورها وشذبها وأصبحت المرأة بفضله شريكة فعلية للرجل.

ولعله من الجدير بالذكر مؤشّرات دالّة على الوضع الحقيقي للمجتمع الذي تخرج المرأة من صلبه إذ نجد أن المؤشر التأليفي للخصوبة يقدر بـ 2.2 سنة 2012 وقد كانت تبلغ نسبة 7.15 سنة 1960 وتقدر نسبة الوفيات المتعلقة بالأمومة بـ 44.3 سنة 2013 من ضمن مائة ألف، وشمل التعليم البنات بصورة أفضل حيث بلغت نسبة تمدرسهن نسبة 98.6 % في التعليم الابتدائي وفي التعليم الثانوي بلغت نسبة 76 % كما أن 11 % من خريجي التعليم العالي من الإناث، ولكن يقع توجيههن غالبا إلى الشعب التي تؤدي عادة إلى فترة طويلة من البطالة وهي شعب الآداب أو العلوم.

ويؤكد المؤشر التأليفي للخصوبة أن عدد الأطفال الذين يمكن أن تنجبهم المرأة خلال فترة خصوبتها مع احترام معدل الخصوبة حسب الشرائح العمرية للفترة المعنية اثنين فقط.

إن التطور الحاصل بالنسبة إلى النساء في مجالات الصحة والتعليم لم يرافقه تطوّر على صعيد الوضع الاقتصادي. فالبطالة مرتفعة لدى النساء 16.5 % وهناك فقط 9.1 % من مجمل رؤساء المؤسسات المسجلين في الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية من النساء. ويعتبر وصولهن إلى مصادر التمويل أصعب بالمقارنة مع الرجال. كما أن الواقع يشير إلى أن النساء يشتغلن عادة في القطاع الفلاحي ضمن إطار العائلة، بدون أجر، وفي القطاع غير المنظم أو في المصانع والخدمات في ظروف هشة. ومازالت نسبة انخراط النساء في النقابات ضعيفة. كما أن حضورهن في هيئات القرار لا يتجاوز 9 % داخل النقابات الأساسية والمكاتب الجهوية. إضافة إلى المشاكل الحافة التي تعانيها المرأة وقد اعترفت السلطات بمشكل العنف المبني على النوع الاجتماعي، لكن الأعمال الملموسة لاجتثاث هذا المشكل مازالت محدودة وغير مستديمة. وقد صرحت نسبة مهمة من النساء المستجوبات، على هامش المسح الوطني حول تفشي هذا المشكل، أنهن تعرضن لنوع من العنف على الأقل مرة واحدة خلال حياتهن. ثم إن الضغط الاجتماعي والتقليل من أهمية العنف مازال قائما، وإن نسبة 99 %من النساء صرحن بأن العنف شيء عادي ولا يستحق أن نتحدث عنه.

إننا نقدر أن حاجة ملحة لتوضيح وضعية المرأة في تونس، في ضوء التحولات التي طرأت بعد الثورة وخفوت صوت الغوغاء من الساسة الذين استغلوا وضع المرأة واجهة سياسية لعبوا بها أدوارا قذرة دون أن يتحلحل وضع المرأة، بل لعله زاد سوءا في مرحلة بناء الدولة الوطنية وكذلك الدولة النوفمبرية.

وإن مؤشر التنمية البشرية المرتبط بالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي لم يتم احتسابه بسبب الافتقار إلى إحصائيات دقيقة حول وضعية المرأة . فبالرغم من أن تونس صادقت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) CEDAW وتخلّت عن تحفظاتها بشأنها في أكتوبر 2011، بمقتضى مرسوم تم تبليغه رسميا إلى لجنة سيداو في أفريل سنة 2014 فإنّ مجموعة من نواب المجلس الوطني التأسيسي التابعة إلى حركة النهضة كانت قد نشطت من أجل إلغاء هذا المرسوم وهي ذات المجموعة التي ألغت تفعيل قانون المساواة الذي تشبث به رئيس الدولة مستعينا بأطياف يسارية وأخرى من الحرس القديم .

إن مسألة المرأة ليست بروبغاندا سياسية أو أصل تجاري لفئة سياسوية وقد أبان التاريخ كذب هؤلاء جميعا ولعل المرأة اليوم في عيدها الوطني الستين أصبحت قادرة على تبيّن سبل خلاصها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق