راي رئيسي

في الذكرى السادسة للقاء باريس..
ما الذي بقي من مخرجاته بوفاة الباجي؟

– لطفي هرماسي –

hermassilotfi64@gmail.com

يوم الخميس 15 أوت 2019 الماضي، تكون قد مرت على لقاء باريس ست سنوات. لقاء كان تاريخيا بكل ما في الكلمة من معان، جمع الشخصيتين السياسيتين الأكثر حظوة وحكمة وقدرة على التحكم في الأحداث على الصعيد الوطني، اصطلح على تسميته بلقاء الشيخين الذي جمع الأستاذ الباجي قائد السبسي رحمه الله مؤسس حركة نداء تونس بالأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة.

يوم الخميس الماضي لم نعثر على صحيفة واحدة، أو مقال موضوعي واحد، أو حوار تلفزي واحد، يذكّر بلقاء باريس ودوره المفصلي في إنقاذ مسار الانتقال الديمقراطي مما كان يراد له من ردة وانتكاسة ودفع خبيث في اتجاه مواجهات مجهولة العواقب واحتراب أهلي ، والسبب واضح ومعلوم ويتمثل في قصر الذاكرة، وتسونامي الأحداث التي مرت بها بلادنا  منذ الثورة إن نحن أردنا أن نحسن الظن، أما إن رمنا إساءة الظن لقرائن وأدلة نراها رؤيا العين فإننا متأكدون أن اللوبيات التي تسيطر على المشهدين السياسي والإعلامي  ما تزال مصابة بالدالتونيزم المؤدلج.

ولا يسعها بالتالي إلا أن تتعامى عن حقائق وتواريخ وأحداثا وتحولات مفصلية في المشهد التونسي كانت حركة النهضة لاعبا أساسيا فيها خاصة ونحن نعيش مقدمات ساخنة لحملة انتخابية مزدوجة في الزمان والمكان.

هي الأطراف ذاتها التي تكفر بمفهوم ومصطلح التوافق الذي كان أحد أهم مجلوبات لقاء باريس الذي يحسب لطرفيه أنهما كانا زعيمين بحق، وقائدين بحق، ومسؤولين وطنيين بحق… زعيمان لأنهما نجحا في امتحان كسر الحواجز النفسية، والارتقاء فوق  جراحات ماض أليم ومواجهات دامت عقودا بين الدساترة والإسلاميين، والقدرة على الحوار والإنصات رغم اختلاف المرجعيات والمقاربات، والرغبة الصادقة في الوصول إلى حلول تجنب البلاد كوارث التوترات التي كانت قاب قوسين أو أدنى من بلوغ الأوضاع المأساوية  التي آلت إليها عدة تجارب في محيطنا الإقليمي.

ورغم ثقل ما ورائهما من تحالفات مثبّطة لكل ما يمكن أن يحدث من تنازلات موجعة للطرفين، فقد تحليا  بروح المسؤولية الوطنية متجاوزين ما  قد تجلبه لهما التوافقات والتفاهمات من الاتهامات والتخوين والاستهجان من قبل شركاء كل منهما في تلك اللحظة التاريخية (أنصار الشرعية والترويكا من جهة و الأطراف المنخرطة في ما سمي آنذاك باعتصام الرحيل من جهة أخرى).

الرغبة الملحة في انقاذ البلاد وانتقالها الديمقراطي الهش، والقدرة على التجاوز والتحلي بالروح الوطنية العالية، هي التي جعلت الأستاذ راشد الغنوشي يصرّح ذات  حوار تلفزي على قناة نسمة بأنه من أجل تونس كان مستعدّا للذهاب الى غواتيمالا وفق تعبيره.

وهل يمكن لذي بصيرة إلا أن يتوقف عند هذه الجملة التي تختزل عقيدة واعتقادا (في المجال السياسي طبعا) بأن الوطن فوق الحزب، ووحدته وسلمه الأهلية فوق الحسابات السياسية، وان التواضع السياسي من أجل المصلحة العليا للوطن من شيم رجالات من المؤكد أن التاريخ سينصفهم وسيدون أسماءهم بأحرف من ذهب طال الزمان أم قصر.

لم يكن من السهل بتاتا على زعيم حزب سياسي فاز في انتخابات حرة وشفافة شهد العالم بنزاهتها، وتمكن على إثرها من الحصول على أغلبية برلمانية، وتشكيل حكومة يتحوز على أغلب الوزارات فيها، أن يتواضع لمحاورة خصوم ومنافسين سياسيين يدقون طبول “الحرب” ويكيدون آناء الليل وأطراف النهار من أجل استبدال شرعيته الانتخابية بشرعية الشوارع واقتحام مقرات السيادة، بل والأغرب من ذلك تأكيده أنه مستعد للذهاب إلى آخر الدنيا من أجل الالتقاء بزعيم المعارضة عارضا عليه إبرام (سلم الشجعان) ورسم خارطة طريق لحماية الوطن وتأمين مساره الانتقالي.

لقاء باريس كان حجر الأساس لانطلاق الحوار الوطني، والانتهاء من كتابة الدستور، والاتفاق حول تركيبة وأولويات ومهام حكومة الوحدة الوطنية، وانتخابات 2014 وما حدث بعدها من توافق رافق مسيرة البلاد إلى حد الآن.

وعلى الرّغم من السعي المحموم لبعض الأطراف الاستئصالية المؤدلجة التي عملت وفق أجندات داخلية وخارجية مدفوعة الأجر لتعويق مسار الانتقال الديمقراطي الصعب مادامت النهضة طرفا رئيسا مشاركا في الحكم بأقدار محترمة، فإن تجربة التوافق الرائدة التي أسس لها الزعيمان الشجاعان الباجي والغنوشي منذ لقاء باريس التاريخي صمدت، وتحطّمت على جدرانها كل المؤامرات، ومكّنت البلاد من شق طريقها الصعب نحو مأسسة الديمقراطية وانتخاب هيئات دستورية رقابية ضامنة لاحترام الدستور والقوانين الجاري بها العمل.

وحتى حين اختلف الشيخان خلال صائفة 2018 حول النقطة 64 من وثيقة قرطاج 2 والمتعلقة بتحوير أو تغيير حكومة يوسف الشاهد، ظل الود والاحترام قائمين بينهما، ولم تنقطع محطات التلاقي بينهما، وكان الأستاذ راشد من بين القلائل الذين قاموا بزيارة الرئيس الباجي خلال أزمته الصحية الحادة.

حين توفي فقيد تونس الرئيس الباجي، في يوم عيد الجمهورية كانت حركة النهضة من أوائل الذين نعوه من خلال بيان جمع بين الحزن الصادق على فقده، وبين التثمين العالي لدوره وخصاله مبرزة أنه (برحيل الفقيد تودّع تونس أحد قادتها الكبار وبُناة جمهوريتها الثانية التي دشنتها تونس غداة الثورة، وذلك لما تميز به الراحل من خصال وطنية عالية وروح وفاقية جمّعت التونسيات والتونسيين حول المصالح الوطنية العليا للبلاد نأت بها عن كل مخاطر المصادمات والفوضى التي كانت محدقة بها. وحركة النهضة إذ تتقدم إلى عائلة الفقيد وذويه وإلى كل التونسيات والتونسيين بأحر التعازي وأصدق مشاعر التعاطف والمواساة في هذا المصاب الجلل فإنها تذكّر أنّ الرئيس محمد الباجي قايد السبسي هو أوَّل رئيس تونسي منتخب مباشرة وبصورة ديمقراطية وأنّ دوره كان محوريّاً في استمرار التجربة الديمقراطية التونسية وحماية سلامة بلادنا وقيادة توافق وطني تاريخي).

الخطوات التي قطعها مرشح النهضة  للانتخابات الرئاسية الأستاذ عبد الفتاح مورو سيرا على الأقدام خلف جثمان فقيد تونس الرئيس الباجي وفاء لطلب منه لم يفكر في أن يطلبه من غيره، والقبلة التي طبعها على جبين الفقيد بعد تنازع طريف حول من يقبل رأس الآخر يوم أداء الرئيس الباجي لليمين الدستورية بمجلس نواب الشعب، وحضوره حفل افتتاح المؤتمر العاشر للنهضة وإلقاؤه لكلمة تاريخية حول أهمية ودور الحركة في المشهد السياسي التونسي وحول التوافق الذي خط كلماته الأولى في لقاء باريس مع شريكه الأستاذ راشد ووقعا عليه معا في الحوار الوطني وجسداه من خلال الحكم المشترك إثر انتخابات 2014، تظل علامات مضيئة على تقليد جديد تشربه مؤسساه وظل معلما وبوصلة ومظلة يستظل بها في طريق الوطن..

بفقد أحد ضلعي لقاء باريس، نعتقد أن الفكر التوافقي الذي زرعه الشيخان بذرة فتية في الحياة السياسية قد غدا بعد ست سنوات شجرة وارفة الظل يمكن لجميع الخيرين في هذه البلاد أن يستظلوا بها راغبين كانوا أم صاغرين رغم الخطابات الانتخابية المكابرة التي ماتزال تلوك علكة التنافي والإقصاء على أنه لا يمكن لنا إلا أن نرسل بعتاب كبير للشيخين لأنهما لم يشتغلا بالقدر الكافي على مأسسة التوافق الذي ظل مرتبطا أساسا بشخصيهما، ولم ينجحا في تحويله إلى تحالف استراتيجي قادر على صوغ كتلة تاريخية تكون نواة تجتمع عليها كل الأحزاب الوسطية لاسيما منها الدستورية المعتدلة والإسلامية الديمقراطية.

وأمام تشظي المشهد السياسي غداة موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، تظل بوصلة الوطن مضطربة في انتظار تشكل توافقات جديدة عمودها الفقري المكونان الأساسيان اللذان كانت لهما شجاعة التقارب زمن التباعد من خلال لقاء باريس التاريخي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق