راي رئيسي

الجامعة التونسية إلى أين؟
رحلة التيه بين النقابي والإيديولوجي (ج1)

– د. محمد التومي –

ظلّت الجامعة التونسية منذ نشأة دولة الاستقلال تقوم بأدوار مهمة مثل توفير الإطارات والكوادر لتسيير الدولة وبناء الاقتصاد. وهو ما خولها تبوّء مراتب متقدمة عربيا وإفريقيا وعالميا في الأداء والمستوى التعليمي وكفاءة إطارها المشرف. لكن التحوّلات التي عرفها العالم، برزت مفاهيم جديدة وكان من الضرورة القيام بإصلاحات جوهرية حتى تواكب الجامعة التونسية هذه التحولات العالمية، وأمام عدم اكتراث الجنرال بن علي بالتعليم وتقهقر قيمة الجامعي وعدم التشجيع على البحث العلمي والارتفاع المشط لعدد الطلبة وتحوّل دور الجامعة عموما أمام الثورة الاتصالية حتى بدا واضحا في أننا لم نستعد في تونس الاستعداد الكافي لمثل هذه التحوّلات التي زادت وضوحا إبان الثورة وبعدها إضافة إلى نقص الكادر التسييري وغياب البنية التحتية الضرورية والبرامج الإصلاحية الضرورية بل النقص الفادح في الكادر القادر على رسم هذه البرامج والحال أن هجرة الأدمغة من الصف الأول بل غيره من الصفوف احتضنتهم جامعات عريقة وجدت فيهم مادة جاهزة للعطاء بعدما أنفقت عليهم الدولة من المال العام.

لقد تحولت الجامعة التونسية إلى ما يشبه “مصنعا للمعرفة بآليات قديمة لا تستطيع المنافسة ولا تنتج غير البطّالين ورفع منسوب الاحتقان الاجتماعي وتدهور قيمة الجامعي ولعلّ ردة فعل الدولة على إضراب الأساتذة الجامعيين من منظوري نقابة إجابة كشف مدى التدهور القيمي للجامعي وغلبة الإيديولوجي على المعرفي واختلط الغثّ بالسمين وأصبح النقابي الأحمر من أتباع ماركس يدير الصراع بمفهوم العنف الثوري ردّا على المخالفين مهما كانت مشارب تفكيرهم وانتمائهم وقناعاتهم.. إن ضيق الأفق الإصلاحي يمثل بضيق صدورهم بالآخر المختلف عنهم إيديولوجيا.

ومن الضفة الأخرى تؤكّد الإحصائيات وجود نسب مرتفعة لرسوب الطلبة بالجامعة التونسية؛ إذ أن نصف الطّلبة تقريبا يرسبون في السّنة الأولى ويخفق ثلثهم في السّنة الثّانية. ولئن كان عدد أصحاب الشّهادات العليا في تزايد كبير إذ أنه ارتفع بنسبة كبيرة وصلت إلى نسبة مائة وستين بالمائة خاصة خلال الفترة المتراوحة بين 2002 و2011، ولكن هذه النّسبة العالية لم يرافقها مستوى علميّ جيّد لخرّيجيّ الجامعات ولعل المشكل الأساسي بالجامعة التونسية تزامن بشكل ملحوظ مع اعتماد منظومة “أمد” التي تمثل هيكلية جديدة للتعليم العالي تسهر على التكوين الجامعي حسب ثلاثة مستويات تهدف نظرياً إلى رصد كفاءات الطالب ومقدراته العلمية والمعرفية واكتشاف قدراته الإبداعية بل تكوين مرصد يكتشف النابغين والمتميزين والمبدعين في شتى مناحي المعرفة والحرص على النجاعة في تكوينهم بما يلائم مقدرتهم الفائقة خارج الأنظمة التكوينية المحنّطة والتي لم تؤتي أكلها في الجامعة التونسية نتيجة عوامل سنعرض لها في مناسبة لاحقة.

وقد انطلق العمل بالنظام التكويني أمد منذ سنة 2006-2007 وبينت دراسة قام بها معهد التوثيق التونسي سنة 2011 أن المبادئ الأساسية لهذه المنظومة لا تشهد تطابقاً ما بين المستوى النظري والتطبيقي. ففي حين تؤكد المذكرات الإطارية لوزارة التعليم العالي على أن المنظومة تهدف إلى إرساء نظام تكوين مرن وقابل للمقارنة مع الأنظمة المتداولة دوليا، فإن منظومة التعليم الحالي حادت عن أهدافها الأساسية التي نصت عليها المذكرة المنظمة لبرنامج “أمد”. ولعل الترتيب المتدنّي للجامعات التونسية يرجع لوجود أسباب عميقة ذات علاقة بالحوكمة يحول دون القيام بإصلاحات عميقة وجدية، وهو ما يستدعي ضرورة إرساء حوكمة جديدة بهياكل التعليم العالي والبحث العلمي تمزج ما بين اعتماد الكفاءة والشفافية وإرساء آليات تقييم ومتابعة. مع تغيير القانون الانتخابي للهياكل العلمية. إذ أن الحوكمة تُعنى أساسا بطرق اختيار المسؤولين في المؤسسات الجامعية والمجالس العلمية خارج الدائرة النقابية المفلسة التي تتحمل مسؤولية الرداءة التي وصلت إليها مؤسساتنا التعليمية، والحال أن هذه الحوكمة منظمة بمذكرات وزارية ومناشير لذات الهدف بقيت حبرا على ورق، على أن الطريقة الحالية لانتخاب الهياكل العلمية والبيداغوجية لا تأخذ بعين الاعتبار لا الكفاءة ولا البرامج ولا عمق البعد الإصلاحي وهي تكرس المحسوبية واللوبيات والمليشيوية الإيديولوجية الحمقاء. كما بات من الضروري اليوم إعادة النظر في القانون الأساسي للجامعيين وتعديله بشكل يفتح أبواب البحث أمام الجامعيين من الحواجز البيروقراطية ومن الولاءات التي تخنق الجامعة وتسدّ عليها منافذ الهواء وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية عمّا أوردناه في هذا المقال،ويتمثل في تزايد عدد الطلبة بأعداد فاقت كل حدّ، وهذه لها مخلفاتها على المستوى التكويني وعلى منظومة التشغيل في ما بعد لأن الدولة مهمتها إيجاد مكان لهؤلاء تحفظ كرامتهم وتؤسس لغد أفضل…

ولكن الجامعة اليوم لم تعد في نظر الشباب الطلابي وغيره فاتحة للآفاق ولا موئلا للحلم والسبب أن نسبة العاطلين عن العمل من الخريجين أصبحت في تزايد مستمرّ بسبب الارتجال في ما سموه إصلاحا وقد بدا واضحا أن المشرفين على تركيز منظومة “إمد” مثلا لم يحيطوا بها معرفة من حيث آفاقها ومستلزمات الفعل ومخرجات التكوين واكتفوا في إقرارها بأن فرنسا جربتها وهو ما لا يستقيم عقلا ويخاف مبدأ الحوكمة الرشيدة.

إن مسألة الجامعة التونسية قضية وطنية بامتياز لا بدّ من الشجاعة في طرح مشاكلها والاستماع إلى الأساتذة المباشرين والطلبة والخريجين من ذوي الكفاءة والمجتمع المدني واستبعاد اتحاد الشغل من دوائر الإصلاح لتأسيس ذلك خارج دوائر المطلبية والإيديولوجيا المقيتة مع ضرورة توفير التمويلات العمومية للبحث العلمي وفتح آفاق التشغيل أمام حاملي الشهادات العليا والعمل على استعادة طاقات كوادر الجامعية المهدورة خارج الوطن. والحال أن الجامعات التونسيّة تشكو تسيّبا مريعا واستهتارا بالكفاءات العلمية لأن أهل السياسة قبل الثورة كما بعدها لم يولوا الجامعة ما تستحقّ حتى أحاط بها أخطبوط من غير ذوي الكفاءة في العلم وفي التسيير، وإن من يحكم الجامعة التونسيّة اليوم هي النقابات ونخصّ الجامعة العامة للتعليم العالي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل التي باتت السلطة الوحيدة القادرة على السيطرة ومن ثمة السير بها في طريق مجدب غير ذي نتائج موفقة وهي التي تعارض كل إصلاح حقيقي. والحقيقة أن قرابة 70 % من الجامعيين لا ينتمون لأي هيكل نقابي. وفي حين أن نقابة “إجابة” تنادي بضرورة تغيير طريقة انتخاب الهياكل العلمية المسيرة باعتماد مبدأ الانتخاب المباشر للجامعيين في حين أن الجامعة العامة للتعليم العالي ترفض اعتماد هذا المبدأ والتخلي عن الطريقة الانتخابية الحالية في مجملها.

وإن الترتيب المتدني للجامعات التونسية: “هو نتيجة حتمية لسنوات من التهميش للجامعة وجل مشاكلها نابعة من طرق حوكمة قديمة تعرقل تطويرها ومبنية على الضبابية التامة حيث أن المتابعة وآليات المحاسبة مفقودة تماما.

وقد أنجز التحالف المدني من أجل التعليم العديد من ورشات العمل بجملة من المدن التونسية مثل صفاقس وسيدي بوزيد وبنزرت من أجل التوعية بضرورة اعتماد منهج علمي للإصلاح والحوكمة. كما يوجد ضمن مجلس نواب الشعب التونسي لجان عمل تهتم بالتواصل مع المجتمع المدني والوزارات فيما يخص التعليم وعلى رأسها لجنة الشباب والشؤون الثقافية والتربية والبحث العلمي وتتكون هذه اللجان من نواب الشعب. لكن الخروج من هذا المأزق لا يفعله إلا سياسي جريء يقول لهم كفى ويتحرّى مواطن الضعف فيقوم بإصلاح سريع ينتشل الجامعة من الخواء في انتظار إصلاح شامل يتولاه أولي المعرفة بدواخلها خارج التنميط الإيديولوجي المحنط أصلا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق