راي رئيسي

الرئاسيات التي سينتصر فيها الجميع

– نور الدين الختروشي –

تتقدم الديمقراطية التونسية الفتيّة بخطى ثابتة لتجاوز الجسر التاريخي الصعب من زمن الاستبداد وزمن الحرية. فالموعد الانتخابي الثالث بعد الثورة الذي تعيشه تونس هذه الأيام من المفترض أن يكون معبر الديمقراطية من تهارج مراحل التحوّل الديمقراطي إلى ضفة الاستقرار والرسوخ في تعميد منظومة الحريّة.

الحالة التونسية من زاوية هيكلية عامة وتاريخية، تدشّن عربيّا نجاحا تاريخيا باهرا تقدَه في شكل عرض تراجيدي مرح تواصل على مدى تسع سنوات شهدنا فيه كل أعراض العطب التاريخي المزمن عربيا والمتصل باستعصاء التحوّل من أخاديد الاستبداد إلى الحريّة.

تنظيم ثالث انتخابات عامّة بعد الثورة ضمن معايير الشفافية والنزاهة الدولية يؤشر تاريخيا على تجاوز الحالة التونسية لثلاثة عوائق بنوية منعت بقية ما سمي بدول الربيع العربي من المرور إلى زمن الحريّة السياسيّة وهي:

 

أولا: عفوية الجمهور وغياب النخب الثورية

انفجرت الثورة التونسية أفقيّا بعد حرق البوعزيزي لجسده انتصارا لكرامته وفاجأت كل النخب المعنية بسؤال التغيير والسياسي زمن النظام النوفمبري وإذا كانت العفوية الجماهيرية الجامحة والنبيلة التي انتشرت في بقية بلدان الثورات العربية أشرت علي تجاوز حسابات النخب وهواجسها الإيديولوجية والسياسية فأنها سرعان ما أبانت عن ضعفها وعجزها على التحكم في “ما بعد الخروج للشارع”، فقد كانت الجماهير تعرف “ما لا تريد” ولكنها لا تملك تصوّرا واضحا لما تريد.

ومن هذه الثغرة سقطت كل تجارب الثورات العربي في ارتدادات مؤلمة ودموية، ونجحت الثورة التونسية بسلاسة في الخروج من نبل اللحظة الرومانسية للثورة إلى أفق بناء منظومة الحريّة وتصفية إرث الدولة السلطانية.

 

ثانيا: بين واجب إسقاط الأنظمة وضرورة الحفاظ على الدولة

ليس من السالك تاريخيا اسقط السلطة دون تدمير اجهزتها الرسمية وقد كانت الحالة الليبيّة في هذا المضمار معبرة عن حجم المجهول الذي يواكب الثورة من دون تخمّر عناصر نضجها وفي مقدّمتها وجود طابعة ثورية تملك تصوّرا لبناء الدَلة بعد سقوط النظام فعادت الحالة الليبية واليمنيّة إلى زمن ما قبل الدولة والحداثة السياسيّة حتي صيغتها الحداثية الرثة كما بنتها نخب الاستقلال.

الحالة التونسية مرّت بأناقة على حبل المحافظة على الدولة أو على الأدنى منها الذي يضمن بقاء مقوّمات الاجتماع السياسي السوي مع اجتراح خط إصلاحي عميق جوهره تسطير مربع دستوري جديد يستوعب القديم ويتحمل ممانعته التاريخية في التسليم للديمقراطية كحقيقة وطنية جديدة ماثلة لا يمكن تجاوزها ولا شطبها ولا الردّة عليها ضمن توافقات جديدة جوهرها الترفق بالتجربة ونزع ألغام تعطيلها أو الالتفاف على مكاسبها الدستورية والسياسية.

فالتحوّل من منطق الثورة الجذري إلى منطق التحوّل الديمقراطي مع ما يعنيه من إدارة مرحلة تعايش رمادية بين القديم والجديد كان جوهر النجاح التونسي في القفز على نبل الرغبة في تصفية منظومة القديم دون التضحية بالدولة. وقد كان النجاح في هذا التمرين التاريخي الصعب نقطة التحوّل المفصلي الذي أبقى التجربة التونسية خارج دائرة البؤس التاريخي والارتداد السياسي الدموي الذي وقعت فيه بقية بلدتان الثورات العربية.

 

ثالثا: الاسلاميّون وتعقيد العلاقة بالديمقراطية

التحوّل من الاستبداد إلى الحريّة يعني ببساطة عودة القرار العام إلى اختيار الجمهور وحكم الأغلبيّة ولما كانت الحركات الاسلاميّة الأكثر تجذّرا شعبيا فإنّ الديمقراطية في المجال العربي تعني مرور الاسلاميّين للحكم بصندوق الاقتراع وبالنظر إلى استشكال علاقة الاسلاميّين بالديمقراطية المتصل بمرجعياتهم الإيديولوجية فقد شرع ذلك إلى استعمال هذه الحجة لوأد أشواق شعوبنا للحريّة بدعوى الحفاظ عليها من تسلّل الأصوليّة الدينية إلى مواقع التحكّم في المصير العتم ومصادرته في مشروع ظلامي أسوأ من استبداد الدولة السلطانية.

كانت هذه المسلّمة لدى النخب الحداثية الديمقراطية والجزء الغالب من القوى الدولية المعنية بالتحوّلات في منطقتنا من أكبر العوائق في دفع مسار الثورات إلى نهاياتها الطبيعية بإسقاط القديم وبناء منظومة الديمقراطية.

في الحالة التونسية شهدنا مفارقة حادة جوهرها عمق ولاء الإسلامي للحريّة والديمقراطية وضعف انحياز العلمانيّين والحداثيين للزمن السياسي الجديد بل وأثبت الاسلاميّون في تونس أنّ الإسلامي ليس خطرا على الديمقراطية فقط بل هو المستأمن على مسار توطينها وذلك من خلال المرونة السياسية للعقل السياسي للإسلاميّين وقدرته الفارقة في التمييز بين الممكن والمستحيل في إنجاز المطلوب التاريخي والسياسي للثورة. فالإسلامي في تونس من عقدة الديمقراطية إلى مفتاح حلّها.

وصلت تونس بأمان إلى محطة الانتخابات الرئاسية الثانية بعد جهد مواظب من نخبها لتنظيم فوضى ما بعد المراحل الثورية وتمسكت بالأساسي وهو تغيير المنظومة الدستورية والعمل ضمن ضوابطها وعلى قاعدتها في إدارة التناقضات السياسية ضمن مشترك وطني عنوانه الاعتراف المتبادل بحقّ الوجود والمشاركة في صنع المصير العام.

من هذه الزاوية التاريخية العامة تمثل رئاسيات 2019 نقلة نوعية فارقة في تاريخنا السياسي الحديث جوهرها التحوّل من تاريخ الدولة السلطانية الفاجرة إلى تاريخ دولة العقد والمواطنة.

الاقتراب من يوميّات الرئاسيات يحيل على أمراض ديمقراطيّة ناشئة نصفها عقلا ونصفها جنونا، فأن يتصدّر نوايا التصويت مرشّح من وراء القضبان متّهم بالفساد والتهرّب الضريبي يعني أن المسافة بين التمثل الزائف والتمثل الواعي للحظة الديمقراطية ليست بالوضوح الذي يسمح بالحسم في عدم عودة القديم البائس من بوابة الانتخابات ورخوية الزمن الجديد وقابليته لارتدادات قد تكون مكلفة للتجربة والمسار.

وأن ترشح حركة النهضة ذات المرجعية الاسلامية مرشحا من داخلها للفوز بقرطاج يعني من جهة أخرى أن تونس الجديدة قد تخلّصت من عقدة الإسلام السياسي وخطره على الديمقراطية فحركة النهضة تعلن “من جانب واحد” أن الديمقراطية في تونس قد استوت على سوقها التاريخي والثقافي والسياسي والقانوني والدستوري وليست بحاجة لمخاتلة السياسة ومناوراتها لتستمر في إدارة زمنها الجديد.

الأكيد والثابت أن الدلالات التاريخية الكبرى المتداعية من عرس الانتخابات الرئاسية في تونس اليوم تطغى على بؤس وقرف تفاصيل يوميات التدافع الانتخابي الذي تختلط فيه وتتكثف كل معاني فوضى السوق الانتخابي من زبونية ومال فاسد وتدخل مفضوح للخارج في التأثير على اللحظة الانتخابية ومخرجاتها هذا من دون الوقوف على غياب الرؤى والبرامج التي تتشابه تقريبا حدّ التماثل بين المرشحين.

تفاصيل المشهد وفواصله تحيل على بؤس النخب السياسية وحساباتها المرضية المتصلة بتقسيم حصص السلطة وإعادة توزيعها بين قديم يعادي الجديد من دون القدرة على تصفيته وبين جديد يرفض القديم من دون القدرة على تحييده في ترتيب توازنات القوة والسلطة في تونس ما بعد الثورة.

والثابت الماثل أن الحالة التونسية وبكل أعطابها و أحيانا “قرفها” تؤشر على حقيقة تاريخية فارقة في زمننا السياسي العربي تقول أن ساعة الحرية قد دقت وعقارب الساعة لا تعود للوراء…

هاهنا حزمة المعنى..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق