راي رئيسي

العرس الانتخابي..
بين المظاهر الاحتفالية وواجب التحلّي بالمسؤولية

– لطفي هرماسي –

منتصف ليلة الاثنين 2 سبتمبر2019 انطلق العرس الانتخابي الرئاسي بتحرك أنصار المترشحين في اتجاه فضاءات التعليق لتثبيت الصور والبيانات الانتخابية في الأماكن والفضاءات المخصصة لها من قبل الهيئات الفرعية للانتخابات والمجالس البلدية والمعتمديات، ومزقت منبهات السيارات سكون الليل مؤذنة بانطلاق السباق نحو قرطاج.

صور جميلة وألوان زاهية وفرحة تعلو الملامح والوجوه، ورموز وأرقام توشي الأقمصة والقبعات، وشباب وكهول وشيوخ يتسابقون لالتقاط صور لتثبيت اللحظة التاريخية التي يعيشونها، بعضهم لأول مرة والبعض الآخر للمرة الثانية على التوالي.

في شوارع العاصمة كما في مختلف مدن البلاد، تلفت انتباهك مقرات لحملات مترشحين في أبهى حلة، كدار العرس، أبوابها مترعة، والأنصار في غدو ورواح يحملون بين أيديهم صورا وبيانات ولافتات، وكلهم نشاط وحماس وثقة مفرطة في الفوز. وفي بعض الفضاءات تلفت انتباهك حافلات ملونة بالألوان المميزة والصور والأرقام الخاصة ببعض المترشحين، أما لوحات الإعلانات التجاريّة الضخمة فقد ازّيّنت هي الأخرى بنفس المضامين الانتخابية رغم مخالفتها للقوانين التي تؤطر وسائل الإشهار المسموح بها خلال الحملة الانتخابية.

هي صور تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي تؤرّخ لحدث يستحق التونسيون أن يفرحوا لأجله، حدث كان فيما مضى حلما يغبطون عليه الدول الديمقراطية، ولا يعتقدون أنهم سيعيشونه يوما بهذا البلد الذي أطبقت على أنفاسه أكثر من خمسين سنة طغمة حاكمة اغتالت الآمال والأحلام الجميلة، وصادرت الحريات ومارست كل طقوس الدكتاتورية المقيتة.

قيمة الحدث ورمزيته في مسار الانتقال الديمقراطي، وتثبيت بلادنا ضمن الدول الديمقراطية، قد لا يدركه الكثيرون من العوام و”الخبزيست” الذين لاهمّ لهم سوى الحديث عن المقدرة الشرائية وأسعار الفلفل والطماطم وغلاء الكراسات، وارتفاع أسعار الملابس، وهم محقون في تذمرهم ذاك، أما المناضلون والوطنيون وقادة الرأي الذين دفعوا زهرة شبابهم في السجون والمنافي والمعتقلات، والذين لم يصمتوا يوم كان للكلمة ثمن، ولم يهادنوا يوم كان للدفاع عن الحريات وحقوق الانسان ثمن، فهم الأقدر على حسن تقدير قيمة اللحظة التاريخية والحدث التاريخي الذي نعيش حق قدره.

أليس من اللذيذ ولوج حملة انتخابية تعددية يتبارى خلالها 26 مترشحا من مرجعيات مختلفة، واختصاصات مختلفة، وأعمار مختلفة، وأصول جهوية مختلفة من أجل إقناع التونسيين ببرامجهم وتصوراتهم وقدرتهم على تبوؤ أعلى منصب بروتوكولي وسياسي في البلاد؟

أليس من المثير أن تنطلق حملة انتخابية رئاسية ب 26 مترشحا لا نعلم علم اليقين من سيكون منهم في الدور الثاني ولا من سيكون منهم رئيس تونس المنتخب نهاية العام الحالي؟

أليس من المهم أن يجوب المترشحون وأنصارهم تراب الوطن من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه يحدثون المواطنين ويتواصلون معهم ويجيبون عن استفساراتهم ويرتقون بوعيهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟

أليس من المشوق أن يجلس التونسيون أيام 7 و8 و9 سبتمبر الجاري أمام شاشاتهم لمتابعة المناظرة التي ستشكل حدثا سياسيا وإعلاميا يحدث لأول مرة ببلادنا بين مختلف المترشحين؟

أليس من الملفت للنظر أن ينخرط الشباب لأول مرة حملات انتخابية لمترشحين تعرفوا عليهم منذ أيام قليلة من خلال شبكة التواصل الاجتماعي ومن خلال البرامج التلفزية؟

إنها تجربة تستحق الرصد والمتابعة لأنها ستفتح على مرحلة جديدة مختلفة عن المرحلة الحالية من حيث التركيبة والشخوص والأحزاب والائتلافات، ومهم فيها أن نرصد خلالها توجهات الشباب في التصويت وتوجهات النساء في الاختيار، وخيارات الجغرافيا والانتماء العرقي والمناطقي في الانحياز لمترشحين دون غيرهم.

كما أنه من المفيد قيس أحجام الكتل الانتخابية للأحزاب الكبرى على أعتاب انتخابات تشريعية قد تكون أهم من الرئاسية، ومدى تأثير نتائج الانتخابات الرئاسية على نتائج التشريعية.

ومهم أيضا أن نتعرف على الحجم الحقيقي للأصوات التي سيتحصل عليها مرشحو الأحزاب التي نشأت من رحم الحزب الظاهرة نداء تونس، وأحجام الشخصيات والزعامات السياسية المألوفة مقارنة بزعامات جديدة ظهرت إثر انتخابات 2014.

رغم الكم الهائل من التفاؤل، والاحتفاء باللحظة التاريخية، فإن أسئلة محرجة تطرح نفسها، تضطرنا اضطرارا لمغادرة مربع الحياد الذي من المفروض أن نتحلى به من موقعنا كإعلاميين ومحللين ومتابعين يقظين للمشهد السياسي، وتتعلق ببعض المؤشرات التي تضعنا أمام إمكانية فوز مرشح تحوم حوله شبهات فساد وتهرب ضريبي بمليارات، أو بفوز مرشح دون رافعة حزبية أو كتلة نيابية تدافع عن مبادراته التشريعية مما يمكن أن يضعه في مواجهة محتومة مع المجلس النيابي المقبل تنتهي بإنهاء مهام أحدهما ونصبح… وكأنك يا بوزيد ما غزيت، وندخل دوامة الانتخابات السابقة لأوانها من أوسع أبوابها، وفترة الحكومات التي لا تعمر أكثر من سنة، ويستحيل عندئذ تحقيق أي منجز اقتصادي واجتماعي وتنموي منتظر.

إنه من الضروري أن يرتقي الجميع خلال هذه الحملة الانتخابية بالوعي الجمعي للتونسيين حتى يكونوا يوم 15 سبتمبر القادم واعين لا بأهمية أداء الواجب الانتخابي فحسب وإنما بأهمية حسن الاختيار وفق مصلحة الوطن وانتقاله الديمقراطي، ووفق قاعدة “يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين”.

والقوي الأمين هو من كان ماضيه وتاريخه ناصعا، لم تشبه شائبة التلوث بالفساد، والاستبداد، ومن كان نصيرا للثورة ومجلوباتها، ومن كان يتمتع بحس احترام مؤسسات الدولة ودستورها وقوانينها ومؤسساتها وهيئاتها الدستورية، ومن يحترم آداب الاختلاف وله من سعة الصدر ما يجعله دوحة أمان لكل التونسيين مهما اختلفت مرجعياتهم، ومن كان لديه من اليقظة والذكاء السياسي ما يؤهله لاستشراف المخاطر والأزمات، ومن له قدرة التجميع دون إقصاء، ومن له القدرة على طمأنة التونسيين كلما ألمّت بهم الملمّات، ومن له من الشخصية والثقافة والذكاء والقدرات التواصلية ما يجعله ندا لزعماء العالم، ومن له من الحس الوطني ما يجعله يحافظ على السيادة الوطنية، ويفتح للبلاد أسواقا ومعاملات وفرصا مع دول صديقة إفريقية وشرق آسيوية لم تتح لنا فرص التعامل معها، إضافة إلى شركائنا التقليديين.

إننا ونحن في منتصف الأسبوع الأول من الحملة الانتخابية الرئاسية، لابدّ أن نعي ما لهذا الاستحقاق من تأثير في الشوط الثاني التشريعي الذي يحدد خارطة المشهد السياسي للسنوات الخمس القادمة، ومكونات منظومة الحكم خلالها، ومن الضروري أن يتحلى الناخب بالمسؤولية الوطنية والحس المدني حتى لا يذهب صوته سدى، أو إلى مترشح تحوم حوله شبهات الفساد، أو إلى مترشح فوضوي، أو إلى مترشح معاد للثورة ودستورها، وأن يستشعر بأن صوته أمانة مما يجعله لا يهبه إلا لمن يستحقه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق