الافتتاحية

الغنوشي..
رسائل في كل الاتجاهات

– محمد الحمروني –

وسط حالة التهارج السياسي الكبير الذي تعيشه بلادنا يفتقد التونسيون بقوة أصوات الحكمة والاتزان والمصلحة الوطنية.. الأصوات التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتنكر ذواتها خدمة للمصحلة الوطنية وللمصالح العليا لبلادنا.

وبعد سي الباجي رحمه الله، خلت البلاد أو كادت من أصوات التعقل والحكمة والاتزان، إلا من رحم، ومن هؤلاء الشريك الرئيسي لسي الباجي في التوافق الأستاذ راشد الغنوشي.. الذي يرى التونسيون أنه الأقدر على تجسيد روح الشراكة التي جمعته برئيس الدولة السابق، وهو الأقدر على تأكيد معاني الوحدة والحرص على تجنيب البلاد ويلات التحارب بين أبنائها..

احتدمت الحملة وحمى وطيسها، ووسط هذه الهوجة، الاعلامية والسياسية، تبرز لنا شخصية الغنوشي لتؤكد جملة من المعاني وتبعث بجملة من الرسائل..

 

رسائل الداخل

على عكس ما يجري من صراعات وانشقاقات وانسحابات وتجميد للعديد من القيادات في العديد من الأحزاب، حرص الغنوشي على أن يكون عنوان الوحدة في حركة النهضة، والنقطة التي يلتقي عندها الجميع رغم اختلافاتهم..

صحيح أن النهضة تشقّها رؤى ووجهات نظر وتقديرات مختلفة للواقع وتحديات المرحلة، وهو ما أدى إلى بروز تمايز حاد في المواقف أحيانا وخاصة في ما تعلق مؤخرا بالجدل حول القائمات الانتخابية، إلا أن الغنوشي نجح في كل مرة في الوصول بحزبه وأبناء حركته إلى برّ الامان، وبأقل خسائر ممكنة.

وبعد الحركة التي قام بها الرجل، وتنازله عن حقه في الترشح للرئاسة لرفيق دربه الأستاذ عبد الفتاح مورو، ها نحن نجده رغم كل محاولات التشكيك، عن حسن أو سوء نية، نجده في الساعة صفر من انطلاق الحملة الانتخابية (أي منتصف الليل) يجوب الشوارع ويساهم ولو رمزيا في انطلاق الحملة الانتخابية الرئاسية لمرشح حركته..

وبهذا التنازل عن الحق في الترشح تمكّن الغنوشي من طي صفحة من الخلافات الحادة أراد خصومه أن تكون أعمق وأن تكون تداعياتها أكبر.. حتى اننا نجد اليوم رجلا مثل عبد اللطيف المكي المعروف بنقده الشديد لبعض الخيارات والسياسات داخل حركته ينخرط تماما في الحملة الانتخابية إلى جانب الغنوشي وفي نفس القائمة..

والغنوشي يرسل بذلك رسائل عديدة إلى أبناء حزبه تحثهم على وحدة الصف وعلى بذل الجهد كي تحقق حركته نتائج طيبة في كل الرهانات الانتخابية التي تخوضها، سواء كانت رئاسية أم برلمانية..

رسائل الغنوشي تذكّر النهضويين بالفضل بينهم، وبحقوقهم على بعضهم البعض وهو يستلهم في ذلك معاني الحديث الشريف.. “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه” وهو ما عبّر عنه الغنوشي في رده على سؤال عن مدى جدية الحركة في دخولها الانتخابات الرئاسية قال “نحن لا نلعب بصورة الحركة وبمستقبل البلاد”..

 

رسائل الخارج

ومثلما وجه الغنوشي رسائل إلى الداخل النهضوي نجد أن الرجل يرسل برسائل إلى المنتظم السياسي في بلادنا، من أحزاب ومنظمات ومرشحين ومتنافسين..

رسائل تؤكد على روح وجوهر العلاقة التي جمعته بسي الباجي رحمه الله، وهي التوافق ورفض الاقصاء. رغم كل ما يقال عن تجربة التوافق من سلبيات خاصة من بعض النهضاويين الذين لم يدركوا بعد – على ما أعتقد – أهمية ما تحقق لهم بمفاعيل تلك الشراكة التي جنبت تونس مصيرا كارثيا على غرار ما يجري في بعض البلاد العربية..

روح وجوهر المشروع الذي انبنى عليه التوافق والذي يحمل الغنوشي رايته اليوم، هو تقديم المصحلة الوطنية على ما دونها، والحفاظ على وحدة وسلام واستقلال القرار السياسي لتونس، وحماية قواعد العيش المشترك بين التونسيين مهما اختلفت توجهاتهم ورؤاهم وخلفياتهم الفكرية أو السياسية أو الايدلوجية..  لذلك نراه يردد دائما ان تونس لا تُحكم الا بالتوافق بين كل ابنائها، وان سفينة تونس تسع الجميع، ولكل فيها متسع..

رسالة الغنوشي إلى الجميع اليوم بأن يترفعوا عن المشاحنات ويرتفعوا عن الخلافات، وأن يترفقوا بتجربتهم وبلادهم.. وأن يدركوا حجم وأهمية ما يجري في تونس، من تجربة ديمقراطية حافظت إلى الآن على استمرار ونجاح الانتقال الديمقراطي وحافظت في نفس الوقت على الأمن والاستقرار في هذه الربوع.

رسالة الغنوشي هو حاجة تونس اليوم إلى الثبات على خيار  التعايش مع الآخر – المختلف وعلى الانفتاح، خاصة أنّنا نمرّ بمرحلة بناء وتجاوز، ولحظة البناء لا يمكن أن تكون لحظة إيديولوجية ولا يمكن حملها من قبل فريق دون آخر، لأنها بالضرورة مرحلة لقاء الأضداد ووحدتهم..

زعيم النهضة لا ينفك يرسل برسائل واضحة مفادها أنّ المسار الثوري الذي نمضي فيه ونرفع شعاراته يستدعي بالضرورة تثوير قراءاتنا وقناعاتنا وتجاوز أصفاد الإيديولوجيا الكامنة في أعماقنا وننفتح على الآخر ونقبل به على اختلافه وتمايزه، وندرك أنّ المعارك الإيديولوجية ما هي إلا مدخل يركبه مريدو الاستبداد، أعداء الحرية لينقضوا عليها كما أنقضّوا عليها من قبل مرات عديدة..

نهج الغنوشي ومسلكه الذي مضى فيه حتى اليوم يؤكّد أنّ سياسة التوافقات هي التي سترسخ لغة الانسجام والتفاهم، وهي التي ستمكن من الوصول إلى المساحات المشتركة بيننا كتونسيين، حيث يلتقي الجميع على قاعدة التشارك وليس الاستئثار. وهي التي يجب أن تكون جوهر العملية السياسية وآلية مهمة في عملية إدارة المرحلة وتنظيم الاختلاف وإدارة التنافس سواء داخل الأحزاب أو في إدارة الدولة..

وكثيرا ما ضرب الغنوشي مثلا ما يجري في الجوار العربي والإقليمي من صراعات وتناحر وحرب أهلية من أجل الكرسي ليؤكد أهمية ما تعيشه بلادنا من انتقال سلمي للسلطة وتنافس عبر صناديق الاقتراع بدل القنابل والدبابات والطائرات .. انتقال عاشته بلادنا اكثر من مرة بعد الثورة في 2011 وفي 2014 وفي 2018 بمناسبة الانتخابات البلدية، ونتمنى ان يتكرس مجددا بمناسبة انتخابات 2019 لتخرج بلادنا بذلك نهائيا من مرحلة الديمقراطية الانتقالية الى الديمقراطية الدائمة والراسخة…

ونحن لها بإذن الله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق