راي رئيسي

نريد حملات انتخابية نظيفة

– فائزة الناصر –

انطلقت الحملة الانتخابية الرئاسية، ومضى كل مرشح يدلي بدلوه للجماهير التي ينشد ودّها ويطلب ثقتها، تبدو المباراة بين المتنافسين منذ البداية ساخنة وصاخبة تحكمها رغبة جامحة في الوصول إلى قلوب الناخبين.

في موسم الدعاية الانتخابية سنجد هبوطا وصعودا في شعبية المرشحين، سنجد طبيعة معينة لمزاج الناس، الذين قد ينقلبون على مرشح بين يوم وليلة، ولكن في كل الأحوال نظل نحلم ونمني النفس بحملات انتخابية تتوفر فيها الشروط الآتية:

الدعاية للمرشحين بنظافة، دعاية تقوم على خطاب سياسي واع لكل مرشح، دعاية يتبارى فيها الجميع من أجل المستقبل. فمن السهل أن يحدثك الناس الآن عن الإحباط والتشاؤم، وعن أنه لم يعد لديهم أمل في الغد، وعن حكومات فاشلة، وعن إنجازات متعثرة وأحيانا غائبة وعن ثورة لم يتحقق من أهدافها الكثير، وعن الحاضر الذى لا نعرف إلى أين يسير بنا، من السهل أن نسمع كل ذلك، لكن من الصعب إخراج هؤلاء من هذه الدائرة المظلمة بإحباطها وخيباتها، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام المرشحين اليوم..

نتطلع لحملات انتخابية، لا نستمع فيها لحديث يسيء للمرشح المنافس، تنافس يتم بقيم أخلاقية رفيعة، وليس بمبدأ الصيد في الماء العكر، تنافس يتم وفقا لقاعدة البقاء للأصلح، والأصلح والأبقى هي القيم النبيلة، هي التي تدوم وما عداها يزول، هي التي يتذكرها الناس حتى لو خسر المرشح الذى ينتهجها الانتخابات.

نتطلع إلى حملات انتخابية تتعامل على قاعدة قوة المنطق وليس منطق القوة، وهناك فرق شاسع بين الاثنين.

نتطلع إلى حملات انتخابية جوهرها وهدفها الخفي والمعلن العمل من أجل مصلحة وطن، ومن أجل المستقبل وليس من أجل التستر على فساد وجرائم وتحصين مقترفيها..

نتطلع إلى حملات انتخابية لا تستعين ببلطجة المال المشبوه والفاسد ولا بقوة المنصب والنفوذ، حتى يثق التونسيون في أن الناجح نال ثقتهم بالرضا والقناعة، وليس بالابتزاز أو بالقهر والغصب.

نتطلع إلى حملات انتخابية لا تقوم على تشويه الخصوم ورموزها بإطلاق الأراجيف والأباطيل والشائعات والخوض في الأعراض، بل حملة تقوم على مقارعة الأفكار ومكافحة الحجة بالحجة والمنافسة حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية..

نتطلع إلى خطابات انتخابية لا تحمل بين سطورها الحروب والمعارك الطاحنة، والتحشيد والتأجيج والشحن، وحرب الكل ضد الكلّ.. والتي من شأنها أن تغرقنا من جديد في مستنقع التضاد والتجميع على الضد والنفي والتعصّب والكراهية والاحقاد..

نتطلع إلى خطابات لا تستبطن التصفية الجسدية أو الاعتقال والحبس أو التشويه أو الافتراء أو بالترهيب النفسي والفكري أو التأليب والتحريض ضد الخصم السياسي..

نتطلع إلى خطابات لا تدعي العصمة ولا البراءة ولا الكمال، ولا امتلاك الحلّ السحري لكل المشكلات..

نتطلّع إلى حملات انتخابية لا تهدد بتحوّل المجتمع من الأخذ بمفاهيم العمل السياسي الإصلاحي السلمي، نحو تلبس النشاط السياسي العنيف، الذي يحمل في جوهره مقومات نفي الآخر ثم الاستبداد، الذي لا يمكن أن يؤدي في نهاية الأمر إلى بناء مجتمع سياسي متمدن، بقدر ما يقود نحو مجتمع مفكك يقوم على الكراهية، ويزرع بذرات الحقد ويغذي جذوره.

نتطلع إلى حملات انتخابية لا تعيدنا بخطاباتها إلى صراعات العالم القديم التي تحسم فيها المعارك بإفناء الخصوم.. إمّا سياسيا أو معنويا أو حتى وجوديا.. وهو نوع من الصراع المدمّر، لأنه يعيدنا إلى صراعات الوجود والتنافي التام الذي لا يقبل بوجود آخر أو منافس، ولا يصنع مشروعا بقدر ما يصنع معركة..

نتطلع إلى حملات انتخابية لا تعود بالمشهد السياسي إلى المستنقع الإيديولوجي بقوة، ليصبح التعصّب ومنطق “التطهير السياسي والفكري” هو اللّغة التي يتكلّمها السياسي الطامح في أعلى سلطة في الدولة، ويسقط الخطاب السياسي مجدّدا في النعرات الايديولوجية ويعيد شعارات بالية ومستهلكة وغير قابلة للتطبيق والترويج.. والمؤسف أنّ هذه الخطابات لن تصنع سوى نظاما منغلقا وأحاديا، يرفض التعددية والتنوع الفكري ويضيق بمفهوم الحرية، نظام متشدّد لا يعترف إلا بالقالب الواحد للمجتمع، ويجند الشعب خلف مشروع واحد وقيادة واحدة ويضع كل العقول في قالب واحد، وعليه فإن كل أدوات الدولة كالإعلام والتعليم والثقافة والدين وغيرها تعمل على تحقيق هذه الأحادية والتحذير مما يمسها ويضعفها. ويتم التأكيد في هكذا مجتمعات على مفهوم السمع والطاعة والتصفيق وهز الرأس، والتخويف والتحذير من التمرّد وكثرة المناقشة وطرح الأسئلة والتشكيك والنقد. وعادة ما تكون الثوابت كثيرة جدّا في هكذا مجتمعات..

نتطلع إلى حملة انتخابية لا تسوق لثقافة الخطوط الحمراء، وتكون الممنوعات والمحذورات التي لا يحق لأحد لمسها أو الاقتراب منها كثيرة، كما تعطّل الطاقات، وتحرم المجتمع من فئته المبدعة والمنتجة للأفكار.. هذا في حقيقة الأمر ما تبشّرنا به خطابات الاقصاء والتجميع على الضد التي أضناه صداع تطوير بناها الفكرية والإيديولوجيات القديمة التي لم تعدّ متلائمة مع انتظارات الشعوب التائقة للتحرّر والانفتاح، تحاول أن تواريه من خلال مزايداتها على خصمها السياسي الايديولوجي ومحاولة استبعاده ونفيه وإقصائه..

نتطلع إلى خطابات انتخابية ترسخ سياسة التعايش ولغة الانسجام والتفاهم، ومسلك الجماعة وتمكن من الوصول إلى المساحات المشتركة الوسطى، حيث يلتقي الجميع على قاعدة التشارك وليس الاستئثار. وهي التي يجب أن تكون جوهر العملية السياسية وآلية مهمة في عملية إدارة المرحلة وتنظيم للاختلاف وإدارة التنافس..

نتطلع إلى خطابات انتخابية تؤمن حقيقة أنّه ليس مهم من يحكم بقدر ما يهم من يحمي الحقوق والحريات ويقطع مع الاستبداد، تؤمن بصدق أنه ليس مهم لمن ستؤول السلطة علمانيا كان أو إسلاميا أو حتى شيوعيا بقدر ما يهم أن تكون هناك مبادئ راسخة وثابتة لا يحيد عنها من يحكم وهي مبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الأفراد وعدم المساس بالحريات العامة والخاصّة..

لو التزمت الحملات الانتخابية بكل هذه القيم والمبادئ، ستكون تونس هي الفائزة، وستكسب احترام العالم، وستقطع الطريق أمام أي تشكيك في ثبات بتجربتها الديمقراطية وفي ريادتها للعالم العربي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق