راي رئيسي

مورو في قرطاج..
هل يلقى مصير مرسي؟

– نور الدين الختروشي –

 

ما إن أعلنت النهضة عن مرشحها للرئاسيات، حتى تعالت أصوات المحذرين من السيناريو المصري ومصير الرئيس مرسي. التحذير صدر عن أصدقاءها حرصا عليها وعلى التجربة كما صدر عن خصومها تخويفا وترهيبا لها ومنها.

فماهي مدى مشروعية المقارنة بين الحالتين وما مستندات الإحالة على مصر السيسي؟

كنت وما زلت أشارك الرأي القائل أنّ على الإسلاميّين عموما في المنطقة الانتباه إلى معادلة الحجم الانتخابي والموقع من مجتمع الحكم، وأنّ الديمقراطية قد تكون مذبحا للإسلاميّين إذا لم ينتبهوا لتوازنات السلطة وبناها العميقة في الداخل وموازين القوة الخارجية، وهذا تحديدا ما نصّص عليه تقييم حركة النهضة أواسط تسعينات القرن الماضي.

قرار مجلس الشوري قفز على هذه المقدمة التي مثلت موجها استراتيجيّا لأداء النهضة بعد الثورة وكثفه خط التوافق الذي أصبح عنوان التجربة التونسيّة ومفصل تمايزها وإنقاذها من مصير بقية ثورات الربيع العربي.

التحذير من مصير الرئيس الشهيد محمد مرسي، ورغم أنّه يستند على نفس عناصر التحليل السابقة ويدفعها إلى ممكنها الأقصى سلبا، فإن استدعاء تحذير دولوز في سياق نقده لاوغيست كونت من وهم المقارنة في الدراسات ويغرينا بمراجعة الإحالة على الحالة المصريّة وينسب كثيرا من المطابقة المخاتلة بين الحالتين المصريّة والتونسية.

فمن حيث الحجم والموقع والدور من المعادلة الدولية لا تستقيم المقارنة بين تونس ومصر، فمصر على حدود إسرائيل وهذا يجعل أي تغيير سياسي مهما كان حجمه ومداه وأفقه في مصر تتعامل معه إسرائيل على إنّه من أولويات أمنها القومي. وكان منتظرا أن لا تسمح إسرائيل بتسليم مصر للإخوان لأن ذلك يعني تحالفا عضويّا مع المقاومة وحركة حماس تحديدا مع ما يعنيه ذلك من تهديد مباشر للكيان الصهيوني.

هذا في حين تبدو تونس ومنطقة شمال إفريقيا بعيدة نسبيّا عن فوضى المشرق العربي المتاخم للدولة العبريّة وهو ما يقلّل ولا ينفي الدور الإسرائيلي في التآمر والانقلاب على التجربة التونسية، بل إنّ تقديري أن إسرائيل تتعامل مع الحالة التونسية كمخبر لتحليل مسار الدمقرطة في المجال العربي ومدى جديّة خطورته على إسرائيل وجودا ومصيرا وما حجم التسريبات عن الحضور الاستخباراتي الإسرائيلي في تونس سوى مؤشر عن هذه الحقيقة.

نقطة التماثل الثانية الذي يستدعيها تحليل المطابقة والتشبيه بالحالة المصريّة هو ما أصبح يسمّى بالدولة العميقة أو الخفيّة القادرة على قلب موازين القوّة وتحديد من يحكم ومعلوم أنّ الحالتين الجزائرية َالمصرية تعبّر بعمق ووضوح عن الدور الوظيفي لمؤسسة الجيش في تحديد من يمرّ إلى واجهة الحكم، وذلك لأسباب تاريخيّة متّصلة بدور الجيش في ثورة الضبّاط الأحرار بمصر والتحرير في الجزائر، هذا في حين لم تعرف تونس دورا ظاهرا للجيش في رسم توازنات السلطة ولم يسمح النظام البورقيبي ومن بعده النوفمبري ببروز قوّة خفيّة تتحكم في معادلة السلطة وتوازناتها.

والخلاصة عندي لا وجود لدولة عميقة في تونس توشك أن تنقلب عن مرشّح النهضة إذا وصل قرطاج مع التأكيد على قدرة جيوب المنظومة القديمة لا على إرباك النهضة بل منعها من الحكم بالقياس على المعلوم مما حدث مع تجربة الترويكا.

العنصر الثالث الذي يعتمد عليه خطاب تحذير مورو من مصير مرسي هو مشروع الأسلمة الشاملة الذي يتبناه الإخوان المسلمون في مصر، واعتبار حركة النهضة امتدادا عضويّا للإخوان تنظيما ومشروعا وهذا يقفز على مراجعات حركة النهضة التي كثفها مؤتمرها العاشر بتبنّي الفصل النهائي بين الدعوي والسياسي، ولا يصعب على المتابع النزيه لخطاب وأداء النهضة اليوم أن يستنتج عمق التوجّه المدني للإسلاميّين في تونس وإيمانهم بمكاسب الحداثة السياسية بل إن زعيمهم يعتبر من المنظّرين للمصالحة بين الإسلام والديمقراطية ومنذ ثمانينات القرن الماضي. هذا في حين مازال الإخوان في مصر يقفون على نفس أرضية المشروع الإسلامي كما قدّمه جيل التأسيس ولم تصدر عنهم أيّ وثيقة تقييمية توحي بمراجعات جذرية لمرجعيتهم الايديولوجيّة.

خلاصتي من السابق تونس ليست مصر ومورو ليس مرسي والنهضة الجديدة ليست الإخوان المسلمين وإسرائيل لا قدرة لها على  قلب الأوضاع في تونس والأطراف الدوليّة المعنية بالحالة التونسيّة وتحديدا فرنسا والاتحاد الأوروبي وعلى ما توحي مواقفهم المعلنة ليس من الوارد عندهم إجهاض مسار التحوّل الديمقراطي بتونس.

هذا وغيره يدفعنا إلى التأكيد أن خطاب التحذير من السيناريو المصري، يعكس هزيمة نفسية عميقة لدى جزء من أبناء النهضة، وترهيبا مخاتلا من خصومها بأكثر مما يحيل على ملموس وحقيقة الحالة التونسية.

لا شكّ عندي أن مورو أذا وصل إلى قرطاج لن تمرّ عهدته دون محاولات إرباك جديّة من طرف خصوم تونس الجديدة ومن أعداء الاسلاميين، فتونس التي اختارت المرور إلى الديمقراطية بالتوافق بين القديم والجديد حقّقت دربة طريفة طيلة سنوات ما بعد الثورة على إدارة المنطقة الرمادية التي يسلّم فيها القديم بشرعية الجديد، في مقابل الاعتراف لها بموقع ودور وظيفي جدّي في مسار التحوّل إلى زمن العقد الاجتماعي ودولة القانون والمساواة. وتقديري ان أداء مورو  في قرطاج و مدى انتباهه لرمزية وسيادية الموقع  وما يتطلّبه من نسيان متجدّد للذات والهويّة الحزبية والعقائدية بالإضافة إلى وعيه بدقة التوازنات الإقليمية والدولية والحفاظ على ثوابت الديبلوماسية التونسية سيكون محدّدا في استقراره بموقعه واستقرار البلاد.

أمّا التحذير من مصير مرسي فلا يمكن  قراءته خارج خطوط الضغط المرتعبة أو المتوجسة من تغول النهضة واحتكارها لإدارة الشأن العام.

مورو في قرطاج قد يفشل في مهمته لكن لن يكون مصيره شهادة مرسي.

أو هكذا نقدّر وقد نخطأ..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق