راي رئيسي

وصمتها قناة الحدث برعاية الإرهاب
الذهيبة .. برج ثابت وسط الرمال المتحرّكة

–  د. محمد التومي –

لست من متتبعي قنوات المجاري بأنواعها وأشكالها بدء بقناة العربية والحدث وما لفّ لفيفها، إذ أثبتت التجارب والأحداث انحيازها الصارخ إلى الثورة المضادة بكل تشكيلاتها العسكرية والمافيوزية والإيديولوجية الحمراء للتنظيمات والحركات التي قادت الحراك الشعبي في طريقه الصعب إلى الربيع العربي الذي هزّ عروشا صدئة اختلف المؤرخون في زمن اعتلاء أصحابها لكراسيّ الحكم قبل أن يجعلوا كلّ مقدرات أوطانهم وشعوبهم في خدمة البقاء على الكرسيّ الوثير دونما إزعاج بالحقيقة أو أخواتها رغم الأمثلة الصارخة من المتساقطين من عروشهم، وما كان لهؤلاء أن يفعلوا دون إعلام عميل يوفّر لهم الغطاء الأخلاقي ليمرروا مشاريعهم التي ترمي إلى قتل النفس الثوري الذي اشتعل في تونس ذات شتاء 2011.

ولعل تقرير قناة الحدث يوم الخميس 03 سبتمبر 2019 من منطقة ذهيبة الحدودية واتهامهم بالانتماء إلى حركة النهضة وهو شرف لم يدّعوه مدخلا لتهمة أكبر، ما سمعنا بها عند الأولين ولا الآخرين، أنّ أهل ذهيبة خلايا نائمة للإرهاب المعولم، يمتهنون التهريب ويقفون عند البوابة الغربية لليبيا يربّون الولد ليمدوا به المدد لأعداء الفاتح الجديد خليفة بلقاسم حفتر الذي استعصت عليه بوابة وازن / ذهيبة… وما إلى ذلك من هوس بإلقاء التهم جزافا لقناة تعدّ عند الأخصائيين مرجعا ملهما لقنوات المجاري وما شاكلها من الصرف الصحي.

إن قناة الحدث بما صدر عنها من حماقة أعجزت المتابعين في فك طلاسمها ورّطت نفسها عند عامة الشعب من ذلك أنصارها من نقابة الصحفيين التي بادرت باستهجان ما أقدم عليه مراسلها المفلس رغم أن فئة من “الطيبين” من الذهيبات قامت على خدمته وأوشت له كما يشي المحترف بأن أهل ذهيبة خارج التصنيف الحفتري وأنهم تصدّوا ذات ثورة لمليشيا العقيد المقبور حينما أراد أن يضع من ذهيبة قاعدة خلفية التفافية على الثوار، حينها وقف الشباب في تلك المنطقة النائية على التخوم الجنوبية مع الجيش وتعاهدوا على خدمة الوطن. ولم يسجل حراس الحدود على أهلها جريمة إرهابية واحدة ولكن قناة الحدث بعبقريتها المعهودة في الوشاية وإلقاء التهم جزافا تؤكد ما عجزت عنه المخابرات التونسية وفرق الحرس الحدودي والجيش المنتشر على أرجاء القرية يختلط بالناس ويعرف دقائق الفعل على تخوم الحدّ ويستمع إلى الشيوخ يروون عن الأجداد ما به يرتفعون عن العجز وبطالة الأبناء وبؤس الفاقة وانقطاع الحلم وقد آيسوا من دولة تناستهم ولا تزال.

ولعل القائمين على رسم السياسات الجديدة من المتعاقدين خلسة مع مثل هذه القنوات في برج عاجية والحاملين لعقدة هيبة الدولة قد تلقطوا أن الهيبة المزعومة للدولة لا تقوم إلا على أنقاض مواطنة متهالكة منزوعة الهيبة والسيادة.. ولذلك فإن هؤلاء جعلوا هيبة المواطن مضادة لهيبة الدولة وكأنهما أمران غير متكاملين… إن هيبة المواطن في ذهيبة ليست حادثة ويمكن أن تسأل “البرج” الذي يطل على المنطقة بأسرها ويقطنه الذي أوكل له أمنها وسلامتها وخدمة أهلها ولم يختلف الناس في شأنه وما عارضوه يوما مذ تأسس ذات ربيع سنة 1870 بل تخبرك أحجاره أن سواعد شباب ذهيبة هم الذين شيدوه وهم الذين حموه من الطليان ومن حملات خليفة بن عسكر ومن نزوات محمد بن مذكور وحينما قبض المستعمر الفرنسي على مصباح الجربوع الصديق اللدود لبورقيبة وأودع في البرج لم يحرقوه وهم القادرون بل تسللوا إليه وأخرجوا حليفهم المشهور ليموت في رمادة..

وفي ذهيبة بدأت شرارة ثورة الجنوب بتطاوين وفي منطقة عفينة تحديدا سقطت امرأة وهي تحمل السلاح مع الرجال في بداية سنة 1915. في معركة امتدت على الحدود الغربية بين سيدي عبد الله وظهرة النصف وقارة المشنقة وأم الحصباء ويشهد شيوخ المنطقة المشاركين في تلك الانتفاضة أنهم أثنوا بعض الغاضبين منهم على نسف البرج لما أتيح لهم ذلك… وما استكان شبابها حينما أراد كتائب القذافي أن يجعلوا من ذهيبة نقطة خلفية يستعملونها للالتفاف على الثوار المسيطرين على وازن وبوابتها المتاخمة لذهيبة. الصور مازالت شاهدة على ذلك لمن أراد أن يعتبر..

إن هيبة الدولة يا سادة لا تبيح لحارس الحدود الهرب حتى وإن تعلل بعدم وجود أوامر لاستعمال السلاح .. حينها لم يهرب شباب ذهيبة وطالبوا الجيش بتسليحهم للذود على حياض القبيلة وشرف الدولة .. الأمر عندهم سيان .. لا فرق بين القبيلة والدولة، حتى أتاهم الرصاص حيّا في المقاتل .. ثم يأتهم ما هو أشدّ وأنكى ألا وهو اتهامهم بالإرهاب والتهريب.

في مدينة ذهيبة يقطن بضع آلاف من البشر دون شبكة للصرف الصحي ولا ماء يصلح للشراب ولو أغمضوا فيه، ولا مرافق للترفيه. وحتى لا يضيع الجهد في تعديد النواقص أعطيك بالخلف ما هو موجود في هذه المدينة القصيّة من الإدارة التي يريدون بها ضبط هيبة الدولة وهي البرج العتيد ومركز للبريد ومعتمدية مبنية على أرض طينية متهالكة وبلدية … هذا كل ما هنالك في منطقة تأسست منذ مطلع القرن السادس عشر وتمثل بوابة تونس الجنوبية المنفتحة على غرب ليبيا وواجهة الدولة التونسية نحو إفريقيا ..

لم يهن سكانها من شح الأرض وجدبها ولا من غور الماء وملوحته الزائدة ولا من عطالة شبابها وافتقار المنطقة إلى أبسط الإدارات التي تحل مشاكله اليومية التي تتعقد يوما بعد آخر وكان المواطن يتألم بصمت .. ولذلك ولّى بعض الشباب وجوههم نحو الجارة ليبيا فسلك مسالك وعرة في ليل بهيم دامس ليأتي ببعض اللترات من النفط يضمن بها قوت عياله وكذلك كان الأمر في شبه تعاقد ضمنيّ في عهد المتغلب ابن علي فلم يحرّك تجاههم جنوده لعلمه بمخاطر غلق أبواب الرزق على قوم لم يكونوا في حساب الدولة يوما .. ولكن الساسة الجدد اتهموهم بالتهريب وخرق القانون وإقامة اقتصاد مواز وتعريض هيبة الدولة لمروق الداصة الهمج الرعاع .. لم يكتفوا بمنعهم بل حجزوا بعض شاحناتهم المهترئة وأوعية نصبوها للبيع على الطريق الوحيدة التي تربطهم بالعالم .. لم يناقشوهم أو يواجهوهم بحقيقة التهريب التي تتوقف عليه هيبة الدولة والاقتصاد الموازي هناك في رادس وحلق الوادي .. كما يتذكرون جيدا دعوة أحد هؤلاء الخائضين غمار الشأن العام من رواد قنوات العربية بدعوتهم إلى العودة إلى “السياق الوطني” لم يغب عليهم أن السياق في عرف علم الخطاب يقتضي من المتكلم الإلمام بمعطيات الواقع وتعقيداته المختلفة واقتضاءات المقام بمكوناته المتعددة حتى تضمن نقل المخاطب من المعارض إلى الحياد أو من الحياد إلى الانحياز، ولكن هل يعرف هؤلاء مقام ذهيبة وهل يستطيع أن يجربه .. ألم يعاقب بورقيبة بأن قضى مدة عقوبته في برج لي باف ليس بعيدا من منطقة ماطوس التي عاينها بورقيبة ورأى خرابها وسمع بقصة “الهجة” ولم يبق غير أسف القائمين على ربعها وردد الزمان قولهم “هجوا ماطوس وما خلّوا كان الغيم يحوس” إن ماطوس القبيلة المظلومة في التاريخ والجغرافيا تحالف عليها الدايات وقول العربي “هات” وهو ما أوصل السيل إلى الزبى .. وحينما لم يفهم صاحب الإتاوة الظروف القاسية التي يمر بها أهل ماطوس اتخذوا من الليل جملا ونهجوا بأنفسهم نهجا قصيا في حدود مطمور روما ..

إن ما حدث في ماطوس يتكرر الآن في ذهيبة .. وحتى لا تتكرر المأساة وجب على الساسة الجدد أن يقرؤوا التاريخ ويعتبروا فزمن التلويح بالتهم الكيدية قد ولّى .. وحينما انتخبهم جزء من الشعب كان المنتظر خدمة كل الشعب دون مواربة أو ذرّ للرماد على العيون فلا مخلّص اليوم إلا بإحداث اختراق حقيقي في الوضع المأساوي وذلك بإجراء حزمة من القرارات النافذة والعاجلة بعيدة عن البيروقراطية ومنطق التسويف .. إن الدولة الوطنية التي يتحدث عنها السادة الجدد من المترشحين للرئاسة عليها واجبات متراكبة نتجت عنها ثورة انطلقت من مناطق الحدود قبل أن تتحول إلى سيدي بوزيد والقصرين ولذلك فإنه لا مناص من تشغيل الشباب العاطل من أبناء المنطقة في الشركات البترولية أولا وبعث مشاريع ذات صبغة صناعية وفلاحية وإعادة بعث مراكز التكوين التي كانت تشتغل بالجهة قبل الثورة والعمل على تطويرها وجعلها مواكبة لحاجيات السوق المحلية، مع التعجيل بفتح السوق الحرة في ذهيبة وإدماج ما يسمى بالاقتصاد الموازي في الاقتصاد المقنن وذلك بإخضاعه إلى قانون الضرائب ومراقبته من قبل الديوانة. مع الاستئناس بطلبات المواطنين وتغليب العاجل منها على الآجل ..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق