راي رئيسي

الدرس الديمقراطي التونسي
المناظرات الانتخابية وأنسنة الرئيس

– بحري العرفاوي –

ما من حديث للتونسيين اليوم في المقاهي والبيوت والإدارات ووسائل النقل العمومي وصفحات الفايسبوك الا عن المناظرات التلفزية لمرشحي رئاسية 2019.

لو لم تحقق المحطة الانتخابية إلا تلك المناظرات لكفاها فخرا لتكون ناجحة وباهرة حيث تحولت إلى مدرسة للتدرب على ممارسة الديمقراطية ولتشريك عموم المواطنين في الشأن الوطني وتحديدا في تحديد ملامح رئيس دولتهم القادم.

لم يحدث منذ وثيقة الاستقلال أن خاض التونسيون في شأن الرئيس كما يخوضون اليوم يعرضون المرشحين على “القيس” الشعبي يقيمون مؤهلاته ويقارنونه بغيره من منافسيه، يكشفون محاسن ونقائص كل واحد ويَعرضونه على الواقع المحلي والإقليمي والدولي إن كان يستجيب لمواصفات رئيس المرحلة أو لا.

العالم المتحضر والعالم المتخلف يراقبان بانتباه التجربة التونسية وما تكشف عنه في كل مناسبة من إبداع وتجديد في العمل السياسي والانتقال الديمقراطي.

التجربة التونسية التي تتوغل في إبداع طرائق للتحول السلمي وللديمقراطية التوافقية وللحوار العقلي حتى وإن صاحبته حماسة وحميّات محمودة ومعبرة في الغالب عن “وفاء” حزبي إيديولوجي وليس عن عصبية مقيتة.

ولعل أكبر نقلة تحققها هذه المناظرات هي الخروج بشخصية الرئيس من منطقة الغموض إلى منطقة الوضوح، ومن مستوى “الآلهة” التي لا تُرى ولا يُنظر في عيوبها ولا يُتَخيّل منها نقص أو خطأ إلى مستوى “الإنسان” بمزاياه ونقائصه بنجاحاته وإخفاقاته.

كل المتقدمين للرئاسة وقع عرضهم على “الفحص الشعبي” وتكشفوا بمقدار يسمح للناخب باختيار من يراه مناسبا لهذه المهمة برمزيتها وعظيم مسؤوليتها تجاه البلاد والعباد.

المواطن التونسي سيكون مسؤولا بعد هذا الوضوح أما الله وأمام الوطن وأمام التاريخ، انتخاب أحد المترشحين ليس مجرد عملية إعطاء صوت داخل خلوة انتخابية وإنما هو شهادةٌ على ترجيح وتفضيل ذاك الشخص عن سواه من منافسيه وهي شهادة تترتب عنها مسؤوليات عظيمة بميزان الوطنية وميزان العقيدة.

سيكون للتونسيين صبيحة 16 سبتمبر 2019 متنافسان للدور الثاني لن يعلموا هويتهما إلا بعد أن تبوح الصناديق بأسرارها وتلك هي الديمقراطية حين تحسم الإرادة الشعبية بين المتنافسين.

ما يشوب هذه المنافسة من شوائب وتجاوزات لا ينفي عنها فرادتها في العالم العربي ولا يجردها من كونها تجربة تفتح على وطن جديد في سياسته واقتصاده وثقافته وفنونه.

يُنتظر من النخب الفكرية والإعلامية والفنية أن تتحمل مسؤوليتها في مرافقة هذه التجربة يحمونها من الانحراف بها إما نحو الشعبوية الخاوية أو نحو التسلطية البغيظة…وعي التونسيين واعتدال مزاجهم يرفضان أي شعبوية فوضوية، وكرامتهم ونزوعهم التحرري يرفضان أي عودة للاستبداد والتسلط والإقصاء.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق