راي رئيسي

Le vote utile..
لفائدة من سيكون هذه المرّة؟

– فائزة الناصر –

أيام قليلة تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية التي يشارك فيها 26 مترشحا.. يعمل المترشحون على قدم وساق لإتمام ما تبقّى من حملاتهم الانتخابية التي تواصلت قرابة الشّهر وتنتهي قبل يومين من تاريخ يوم الاقتراع حيث سيكون يوم 14 سبتمبر الجاري يوم الصمّت الانتخابي. وتعتبر المرحلة الأخيرة من تاريخ الحملة الانتخابية مهمّة حيث يبلغ التنافس السياسي فيها أوجه وتتضاعف خلالها رغبة المترشّحين في التسريع في نسق نشاطاتهم مستفيدين من توضّح الصورة نوعا ما حول الأطراف الأكثر والأقل حظا بالنظر إلى نسبة الحضور في الاجتماعات الشعبية والتفاعل على مواقع التواصل  الاجتماعي.

عمل المتنافسون على كرسي قرطاج طيلة الحملة الانتخابية على تبليغ صوتهم إلى أكبر عدد ممكن من التونسيين. وقد نقل الإعلام التونسي والعالمي نشاطات هذه القائمات التي تراوحت بين الاجتماعات الشعبية واللقاءات المباشرة مع المواطنين، أو اللقاءات المتلفزة أضف إليها تجربة المناظرة التي كانت تجربة رائدة وتاريخية بالنسبة لتونس الثورة.. لقاء المترشّحين بالمواطن التونسي وجها لوجه مكّنهم من تقدير وزنهم السياسي ومدى قدرتهم على المنافسة، وساهم في ضبط تقديراتهم بخصوص حظوظهم في الفوز في الانتخابات القادمة. وتبعا لهذا حاول بعض المرشحين في هذه المرحلة الأخيرة من مدّة الحملة الانتخابية تغيير استراتيجياتهم والبحث عن سبل جديدة للتأثير على الناخب.

ولكن ما يميّز هذه الانتخابات عن سابقيها هو تعدّد الترشّحات لمن ينتمون إلى نفس العائلة السياسية والفكرية تقريبا ومن يحملون نفس المرجعيات الفكرية والجذور التنظيمية والبيئة السياسية.. فالمنظومة القديمة مثلا تدخل السباق الانتخابي بأكثر من 5 مرشحين تقريبا بينما يشارك من يعتبرون أنفسهم ممثلين للخط الثوري الغاضب بقرابة الــ 4 مرشحين، وهذا من شأنه حسب بعض المتابعين أن يساهم بشكل كبير وبيّن في تشتيت الأصوات.

ولكن عموما فإن البرامج المعروضة والخطابات الظاهر منها والمبطّن يقسّم المشهد الانتخابي إلى مجموعتين كبيرتين وربما تكونان متساويتان في الحظوظ أو متقاربتان.. برامج تكشف لنا جليّا أن الاختيار اليوم وفي هذه المحطة الانتخابيّة الحاسمة والمحدّدة سيكون محكوما بتوجهين كبيرين متوازيين لا يلتقيان، توجه وفيّ لمبادئ الثورة وانتظارات التونسيين منها، توجّه يتبنى مبدأ التعايش والوفاق الوطني والانفتاح والحريات والديمقراطية التشاركية، وتوجه آخر يتبنى الانغلاق والاقصاء والاستبداد.. الخطابات الاستباقية التي استبقت الحملة وتواصلت على مدى أيامها الأولى كان فيها شيء من خطابات الحروب والمعارك الطاحنة، وبقطع النظر عن المستهدف  أو (Le_cible) من التحشيد والتأجيج فالنتيجة واحدة دعوات للصراع  والإقصاء في المرحلة المقبلة، وحرب الكل ضد الكل.. والمؤسف أنّ هذا الخطاب المشحون والموتور بقوّة، يغرقنا من جديد في مستنقع التضاد والتجميع على الضد والنفي والتعصّب، خطاب يرتكز على التصفية الجسدية أو الاعتقال والحبس أو التشويه أو الافتراء أو بالترهيب النفسي والفكري أو التأليب والتحريض ضد خصم سياسي..

هذا الخطاب في الحقيقة لا يمكن أن يكون إلا وسيلة تهدّد بتحوّل المجتمع من الأخذ بمفاهيم العمل السياسي الإصلاحي السلمي، نحو تلبس النشاط السياسي العنيف، الذي يحمل في جوهره مقوّمات نفي الآخر ثم الاستبداد، الذي لا يمكن أن يؤدي في نهاية الأمر إلى بناء مجتمع سياسي متمدّن، بقدر ما يقود نحو مجتمع مفكك يقوم على الكراهية، ويزرع بذرات الحقد ويغذي جذوره. وهذا النوع من الصراع الذي يركب الديمقراطية سيعيدنا حتما إلى صراعات العالم القديم التي تحسم فيها المعارك بإفناء الخصوم.. إمّا سياسيا أو معنويا أو حتى وجوديا.. وهذا النوع من الصراع مدمّر، لأنه يعيدنا إلى صراعات الوجود والتنافي التام الذي لا يقبل بوجود آخر أو منافس، ولا يصنع مشروعا بقدر ما يصنع معركة..

في المقابل استمعنا إلى توجه آخر في الخطاب ربما يكون نقيضا لأوّل، خطاب يعي جيّدا أن المسار الثوري الذي نمضي فيه ونرفع شعاراته يستدعي بالضرورة تثوير قراءاتنا وقناعاتنا وتجاوز أصفاد الإيديولوجيا الكامنة في أعماقنا، وننفتح على الآخر ونقبل به على اختلافه وتمايزه، ويدرك أنّ المعارك الإيديولوجية ما هي إلا مدخل يركبه مريدو الاستبداد، أعداء الحريّة لينقضوا عليها كما أنقضّوا عليها من قبل مرات عديدة..

هو توجّه يؤمن أنّ سياسة التوافقات بين كل مكوّنات المشهد السياسي والوطني عموما هي التي سترسخ لغة الانسجام والتفاهم، وتمكن من الوصول إلى المساحات المشتركة الوسطى، حيث يلتقي الجميع على قاعدة التشارك وليس الاستئثار. وهي التي يجب أن تكون جوهر العملية السياسية وآلية مهمة في عملية إدارة المرحلة وتنظيم للاختلاف وإدارة التنافس، وتعالج كل مآزق غياب الأغلبية، وتنتفي معه صفة الإقصاء السياسي الذي يعتبر مقدمة للفشل في بناء النماذج القادرة على مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية.

هذا التوجّه في الخطاب الموازي للتوجّه الأوّل يطمح أيضا إلى توسيع نطاق الحريّة بحيث يتسع المجتمع لقبول كل الأفكار والتحاور معها، لإنتاج أطروحات أقوى تضمن مزيدا من  القوّة والاستمرارية والثقة في المجتمع. وهو تحديدا منطق القبول بالآخر مع التسليم بالاختلاف..

يعني نحن أما توجهين كبيرين توجّه يعكس خطابه ومشروعه الانغلاق وإقصاء الآخر والرسولية أو الوصاية على المجتمع وهذا سيعيدنا بالضرورة إلى مربّع الاستبداد والدكتاتورية، مقابل توجّه آخر خطابه منفتح يدعو إلى التعايش والوفاق الوطني بين الجميع مهما اختلفت مرجعياتهم الفكرية، وهذا سيحملنا بالضرورة إلى تثبيت الحرية والديمقراطية ويحافظ على أسمى قيم الثورة وانتظاراتها…

هنا ومع تشتت الأصوات داخل كل توجه يصبح التصويت المفيد أو (Le vote utile) هو الوصفة السحرية لمن يريد ان يحافظ على مكتسبات هذا الوطن بعد الثورة، ويقطع مع أي إمكانيّة لعودة الاستبداد أو الفساد أو هيمنة مافيات المال الفاسد وتداخل المال والسياسة..

اعتماد “التصويت المفيد” كردّ على ظاهرة الحيرة أو التيه الانتخابي التي انتابت شريحة واسعة من الناخبين الذين لم يقرّروا بعد من سيفوز بأصواتهم. والتصويت المفيد لا يكون ضرورة نتيجة لجهل الناخب بالمترشحين أو لعدم ثقته في أغلب القائمات الانتخابية بل يمكن أن يكون نابعا من رغبة الناخب في البحث عن أكثر جدوى، وفاعلية قصوى للصوت الانتخابي الذي سيزكيه. ونظرا لأن التصويت المفيد هو عملية حسابية انتخابية فإنه يخدم ضرورة الشخصيات التي تمتلك أكبر وزن وأكبر قاعدة حزبية والأقدر على المرور باستعمال منهجية التصويت المفيد..

اعتماد “التصويت المفيد” أو (Le vote utile) قد يكون ناجعا أيضا أمام تجنّب تشرذم الأصوات وتحويل تأثيرها إلى الشخصية التي ستفيد البلاد فعلا، من خلال منح الناخب لصوته لفائدة مرشح رئاسي يرى أن حظوظه في الفوز أكثر جدية من غيرها رغم أنه لا ينتمي إلى الحزب الذي رشّح هذا المرشح، اعتقادا منه أنّ صوته مهم حسابيا ومنحه لمرشحين حظوظهم في الفوز قليلة هو هدر لا فائدة منه.

ويمكن أن يكون “التصويت المفيد” أيضا نوعا من أنواع “التصويت العقابي”.. وذلك بأن يقوم ناخب بتقديم صوته لمرشح معين حتى يساعده على التغلّب على مرشح آخر يخشى صعوده ويرفض مشروعه السياسي الذي يبشر به..

استتباعا لكل ما ذكرنا إذا يصبح (Le vote utile) آلية مفصلية ومصيرية في هذه الانتخابات التصويت المفيد الذي سيقطع الطريق أمام من سيعيدنا إلى مربع الاستبداد والدكتاتورية والرأي الواحد، التصويت المفيد الذي سيقطع الطريق أمام من سيجعل ثروات البلاد وممتلكاتها مستباحة لمافيا المال وللفاسدين، التصويت المفيد الذي سيقطع تماما مع ثقافة الإقصاء والانغلاق وسيضاعف حظوظ المرشح الذي سيحافظ على مكتسبات الثورة وسيحمي الديمقراطية والحريات، وسيحمي عرى التعايش المجتمعي والثقافي والسياسي وسيجمع التونسيين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، وسيثبت ثقافة التوافق التي مضت فيها تونس والتي أمنت انتقالها الديمقراطي، سياسية التوافق التي يرفضها الكثير من المترشحين للرئاسة اليوم ويعتبرونها خطيئة لا بد من التطهر منها ويستبدلونها بالإقصاء..

التصويت المفيد أو (Le vote utile) هو اليوم أكثر من ضرورة هو اليوم في اعتقادنا واجب تاريخي على كل من آمن بالثورة ومنجزها، وكل من يخشى على التجربة الديمقراطية وعلى الحريّات التي اكتسبناها وكل من يخشى عودة دولة المافيات والفساد من خلال تشتيت الأصوات وعبر الصندوق.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق