الافتتاحية

فرنسا والانتخابات التونسية
فاضل عبد الكافي وما بعد الانتخابات

– محمد حمروني –

ونحن نمر بهذا الظرف الدقيق والحساس، ثلاث نقاط أساسية تشغل بال التونسيّين، أحاول أن أثيرها في هذه الافتتاحية

 

فرنسا والانتخابات التونسية..

ويتعلّق الأمر  تحديدا بالضغوطات الكبيرة التي تحاول جهات فرنسية عدّة تسليطها على بلادنا وعلى القضاء التونسي أساسا، من أجل إطلاق نبيل القروي، سواء عبر برلسكوني أو رجل الأعمال التونسي طارق بن عمار، أو من خلال نواب في البرلمان الفرنسي.

وبلغ هذا الضغط الفرنسي، ووصلت الرسائل التي لم تعد مشفرة، حدّ تعيين فاضل عبد الكافي على رأس مؤسسة رسمية هي مجموعة الدفع من أجل شراكة اقتصادية بين فرنسا وتونس، علما وأن الرجل يقود حملة نبيل القروي وهو مرشحه لرئاسة الحكومة.

وفرنسا بهذا الضغط وهذا التعيين كأنها تقول لنا بوضوح أنها تصطف إلى جانب القروي وتعتبره رجلها في تونس، وهو ما عبّر عنه أحد “الصحافيين” المحسوبين على القروي عندما قال إن الأخير أصبح رجل البلاد في ذهن الفرنسيين.

سياسة خاطئة نهائيا ومضرّة بصورة فرنسا في بلادنا، وهي سياسة تذكرنا بالخطأ الفادح الذي ارتكبه ماكرون عندما تدخّل في الجدل حول المساواة في الميراث، وهو ما زاد في منسوب العداء لفرنسا، حتى باتت معاداتها مادّة انتخابية في الفترة الأخيرة.

بل إنّ قضايا مثل الاتفاقيات التاريخية بين تونس وفرنسا والعقود المشتركة والشراكة الاستراتيجية بين البلدين والحديث عن استقلال منقوص أو مغشوش، والدعوة بالتالي إلى استكمال السيادة، باتت مادّة أساسية للمزايدة بين المترشحين للانتخابات الرئاسية.

اليوم نجد أشخاصا معادين لفرنسا دون أي مبرّر واضح، ما عدى الأخطاء الاتصالية للحكومات الفرنسية فيما يتعلق بالشأن الداخلي لبلادنا.

فرنسا صديق أساسي وشريكا أول لتونس، والعقلاء يدعون للحفاظ على هذه الشراكة، بل وتنميتها وتطوريها، والتدخل الفرنسي في شؤوننا الداخلية بهذه الطريقة يضر بمصالح فرنسا ولن يزيد إلا في تغذية الشعبوية… التي تنتعش بالمغالطات والشعارات الجوفاء والمزايدة على كل شيء على الثورة والثوار والدولة والاستقلال وحتى على الشهداء..

 

فاضل عبد الكافي

هذا الرجل الكفاءة الاقتصادية الكبيرة، بدأ يتحوّل عند جزء كبير من الرأي العام إلى مجرد شخصية لتبيض الفساد.. وهو بذلك يكون قد دخل إلى المعترك السياسي من الباب الخطأ.. من باب الفساد وتبييض الفاسدين، في الوقت الذي كان يمكن له أن يلج هذا المعترك من أبواب أخرى كثيرة، لا تنال من قيمته ككفاءة اقتصادية ولا تسيء إلى شخصه ولا تضعه حتى موضع ريبة أو شك..

ولكن للأسف هذه القامة باتت في نظر التونسيين لا فقط مجرّد مبيّض للفساد بل أداة من أدوات التدخل الخارجي في شؤوننا الداخلية، بل هناك من بات يعتقد أنّه مفروض من قوى أجنبية، خدمة لاجنداتها الخاصة التي لا علاقة لها بالأجندا الوطنية.

وهذه – حقيقة – خسارة كبرى على المستوى الشخصي لعبد الكافي، وخسارة أيضا للمجموعة الوطنية، لأن هذه الكفاءة كان يمكن أن تكون في خدمة الدولة وخدمة الجمهورية وأن تشارك في الشأن العام كشخصية مستقلة لا تشوبها شائبة، وأن تسخر خبرتها الكبيرة في معالجة أوضاعنا الاقتصادية المتدهورة وإصلاح أوضاعنا الاجتماعية المتوترة. والجميع يدرك أن الرجل بما لديه من خبرة وبما يحظى به من احترام قادر على تقديم الحلول الناجعة لازماتنا والمساهمة في إخراج بلادنا من هذه الصعوبات.

 

ما بعد الانتخابات

استهداف حركة النهضة بهذا الشكل الفجّ والمجحف، قد يبدو هدفه الآني تغذية التطرّف على أقصى يمينها وعلى يسارها، فيما هدفه الأساسي ضرب موقعها باعتبارها صمام الأمان للديمقراطية وللانتقال الديمقراطي.. والذين يزايدون على النهضة  من موقع ثوري، يكفي أن نذكّرهم أنّ البعض منهم لم يتلق ولو صفعة واحدة من أجل موقف أو مبدأ صدح به زمن الاستبداد، وهو يدركون جيّدا أنه لولا النهضة ولولا التضحيات الجسام التي قدّمتها وتنازلاتها الوطنية والمسؤولة خلال الثماني سنوات الماضية، ما كانت تونس لتعيش أجواء الحرية والديمقراطية.. وما كان ليسمح لهؤلاء الثوريّين بين ظفرين بمجرد الكلام.

وأنا أوجّه بالمناسبة نداء إلى المصوتين لقيس سعيد، من أنصاره الحقيقيين، ولست معنيا بالمزايدين اليوم باسم قيس سعيد، إلى هؤلاء أقول إنه لا يوجد اليوم ما يمنع نبيل القروي من المطالبة برئاسة الجمهورية إذا ما وصل إلى رئاسة الحكومة.. وأقول لهم إن فوز القروي في التشريعية قد يقطع الطريق نهائيا على سعيد في الرئاسية..

اليوم هناك مسار إيجابي، وديناميكا مرتبطة بالثورة وتعمل على تحقيق أهدافها من خلال فوز سعيد في الدور الأول، وهذا المسار ممكن بل يجب تدعيمه بالالتفاف حول النهضة التي لم تخن الثورة ولكنها في نفس الوقت كشفت أنها حركة عقلانية وإصلاحية.. تمثل عامل الاستقرار الأساسي في البلاد.

وللأسف، نرى اليوم، وفي الوقت الذي يتحدث فيه وزير التنمية وأمين عام حركة النهضة زياد العذاري عن الإصلاحات الكبرى وعن التوازنات المالية والتحديات الاقتصادية وكيفية مواجهتها.. يتحدث البعض الآخر عن استخراج بطاقة التعريف وغيرها من القضايا الهامشية..

نحن اليوم إذا، أمام لحظة حاسمة فإما التصويت لمشروع ثوري وطني عقلاني أو الاستسلام للأوهام.. وربما للمافيا، وحينها بدل أن يعاقب التونسيون الأحزاب قد يعاقبون أنفسهم لأن حصيلة ما سيجنونه في المستقبل هي حصاد ما سيزرعونه في صناديق الاقتراع.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق