راي رئيسي

2019.. نهاية اليوتوبيا وبداية السياسة

أحمد المشرقي – رئيس مركز حنّبعل للدراسات والتكوين

 

لماذا سيطرت اليوتوبيا على مجريات الأحداث فيما بعد الثورة؟

ما هي مبررات هذا المرض العضال الذي يكاد يعصف بطموح التونسيين في التحرر والتنمية ؟

كيف السبيل لمعالجة تراكم الأوهام؟

لماذا نعتبر 2019 نهاية اليوتوبيا؟ وكيف لنا إثبات بداية السياسة في الوقت الذي يعلن غيرنا نهايتها؟

ننطلق من حقيقة لا تحتاج إلى عناء كبير حتى تثبت معقوليّتها وهي أن كل الثورات التي مرّت في تاريخ الانسانية بتنوّعها وتعدّد تجلّياتها واختلاف منطلقاتها تظلّ في النهاية ثورات من أجل القيم. فالحرية قيمة، والعدالة قيمة، والسلم قيمة، والمساواة قيمة، والأخوّة قيمة، وهي وإن كان مدارها كذلك فإنّها عادة ما تكون حالمة في تطلّعاتها وفي زمنيّة الإنجاز وذاك هو المقصود باليوتوبيا الملازمة للحدث الثوري .

هذا البعد الحالم في الثورات والذي يصل إلى حدّ التمثل الخيالي في أقصى تعبيراته هو وإن كان من الملازم للثورة إلّا أنّ عدم تحويله إلى إمكان معقول قد يلحق ضررا لا محدودا بها ولعل هذا الجهد في تقريب المتخيّل إلى الواقع وجعله ممكنا بعد أن بدا يوتوبيّا هو من مهام أهل السياسة وقد سبق للمعلم الثاني الفارابي) أنّ نبّه إلى دور قادة المدن عندما يحوّلون المتخيّل إلى ممكن عقلاني. فشل أهل السياسة عندنا منذ البداية عندما غاب التمييز بين اليوتوبيا كحلم ثوري وبين الممكن العقلاني الذي هو من واجبهم وهم المعنيون بتحقيقه وهذا الفشل يعود بالضرورة إلى غياب إدراك حقيقي للحد الفاصل بين المافوق تاريخي كموجّه للتاريخ وبين ممكنه كتحقّق عيني.

ما عمّق هذه الأزمة وضاعفها أن من تصدّر للشأن العام من حكم ومن يعارضه تاه كلاهما في أقبيته الأيديولوجية وأديرت المعارك حول الماورائيات الهووية فكانت اليوتوبيا في محرّكها الايديولوجي هي الموجّه وهي المتحكّم وقد قاد هذا الصراع الواهم إلى الانقطاع الفعلي عن مطامح من انتفض وثار ذات شتاء من أجل مطالب قيمية محددة ودقيقة.

المعارك الأيديولوجية موضوعيّا كانت أبعد عن مطالب الشعب بل كان الشعب متقدّما زمنيّا وتاريخيا عما كانت تلوكه النخب ودليل ذلك أن ما يعدّ مصدرا للصراع عند هواة الأيديولوجيا كان محسوما عند الشعب في عمومه وأعني به حسم الشعب في انتمائه لروح العصر عندما رفعها شعارات وتطلع لها أهداف في خروجه الثوري وبنفس الدرجة والأهمية تعلقه بروحه الخاصة أي ما يمكن أن نطلق عليه هويته التي هي منه والتي لم تكن محل سؤال ولا صراع ولا مخاتلة.

لقد قضينا سنوات عجاف تاه فيها الوطن بين جهل مقدّس وجهل مركّب زادته الأجندة الإقليمية والرهانات الدولية تغلغلا ولولا وعي أبناء هذا الوطن وعيا صلبا لتاه الجميع في السائل الذي كان الإقليمي مستعد أن يحوّله إلى سيول جارفة.

غياب عقلنة الأحلام في المقام الأوّل وعدم تحويلها إلى ممكن تاريخي من ناحية وتيه الأيديولوجيا الحاكمة والمعارضة من ناحية ثانية جعل بوصلة الشعب تتخذ لها اتجاهات أخرى. فالشعوب بطبعها حالمة والعيب لا يكمن في حلمها بل العيب في أهل السياسة عندما يعجزون على تحقيق الحلم وعقلنته وتحويله إلى واقع.

عاود الشعب العودة إلى الصلب ليس بعيدا عن أحلامه ولا عمّا كان قد حسمه ذات مرّة فاختياره في أبعاده الحقيقيّة هو اختيار للقيم وعودة إليها مجتمعة ومن يبحث عن دليل فعليه أن يقوم بحفريات حقيقية لمعرفة ماذا حصل وما الذي من الممكن أن يحصل وواهم من يظن أن الاختيار متناقض بل هو في جوهره اختيار وفق منطق التاريخ في لحظته الأولى وانسجام مع روح الثورة التي كما قلنا رهان أبدي على القيم. (لست معني هنا بالدفاع على أي مترشح أو أي تيّار احاول جاهدا أن أقوم بحفريات لعل من تعود بملامسة السطحي لن يدرك كنهها).

كان التصويت في بعد من أبعاده لمن هم خارج السيستام أي للسائل بدل الصلب ولكن ذاك ما يظهر في السطح لأن التصويت كان انتصارا للقيم مثل قيم الصدق والإخلاص والشفافيّة والرحمة والمحبّة والأخوّة والتشارك في الوطن صوت أبناء تونس لقيم العصر وروحه ولذات الشعب وتطلّعاته وتركو أهل الجهل المركب وأهل الجهل المقدّس يندبون حظهم ويبكون عن فرصة منحها التاريخ فأضاعوها أو هي في طريق الضياع.

من يظن أن التصويت كان لمن هم خارج السيستام فكره قاصر ووعيه محدود لأن الذين صوّتوا اختاروا إعادة البوصلة نحو قيم الثورة التي لا تزال حيّة ولا تزال المحرّك والفاعل والمحدّد فالانتماء للتاريخ لا يكون إلّا قيميا وبمجرّد ما أعلن البعض أنّه في إنصات لدقات التاريخ وحركاته استجاب الشعب لذاك النداء بغض النظر عمّن يمثله وذاك تحوّل آخر لن يفهمه مثقفو (بودورو) ولا ساسة الصدف. فمن همّشوا وتخلّت الدولة عن واجبها تجاههم ومن حرموا من أبسط الحقوق يأتي من يحتل موقع الدولة وينصفهم والطبقة السياسية التي عبّرت عن مظاهر من الجشع القاتل يعوّضها من يرى في الفعل السياسي خدمة للصالح العام وعقلنة لمطالبه.

 

2019  تسجل نهايات ثلاثة

– الأولى، نهاية اليوتوبيا كأحلام وكخطاب معا لا علاقة لهما بالواقع وتحويلهم إلى تطلّعات أكثر قابليّة للتحقق وهو ما يعني الاقتراب من الفعل السياسي كفعل معقلن يجعل من التطلّع واقعا يتحقق بالقدرة على التخطيط والاقتدار على الإنجاز.

– الثانية، نهاية الأيديولوجيا وضمور خطابات هواتها بإخراجهم من الفعل السياسي كفعل معقلن لمن استطاع ان يقوم بإجراءات نقدية عميقة أمّا من بقي في أسيجته الأيديولوجية فلن يكون له موقع ولن يستطيع المشاركة في الفعل الناجح.

– الثالثة، نهاية الانتيسيستام باعتبارهم طفرة عابرة ستنتهي بمجرّد ظهورها. لأنّها بطبعها تنتمي لليوتوبيا بالمعني السالب.

2019 بداية السياسة بحق بعد أن أعاد الشعب وللمرّة الرابعة على التوالي البوصلة نحو قلب التاريخ. فالسياسة وإن كانت كما هو معلوم ومشاع فنّ الممكن فإن هذا الفن لا يكون قابلا للتحقق إلّا برؤية تستند إلى تشريح وتخطيط وعمل على الإنجاز تعرف المقدرات وتعمل على مراكمتها كثروة دائمة. وقد أصبح يقينيا أن من حكم كمن عارض كلاهما يفتقد للرؤية التي يحتاجها صاحب السيادة ورجل الدولة. لن تقبل تونس الجديدة إلا بأصحاب الرؤى الذين أدركوا منطق التاريخ وأنصتوا لقيم العصر سلاحهم القيم وخططهم السيطرة على الزمن تخطيط.

لن تذهب تونس إلى الفوضى كما يتوقّع البعض ولن تنتهي السياسة كما يتوقّع البعض الآخر. فثمة روح ضامرة بدأت تستجمع إمكانها وهي بصدد الوثبة الخلاقة نحو ممكن قوامه العقل الفعّال لا المنفعل، المتحرّر من كل الأوهام، والمتحكّم في الممكن تخطيطا وإنجازا.

سطعت شمس الخضراء ولكن أهل الكهف لن يرو نورها لأنّ النور فعل إبصار وبصيرة حيّة هي بصيرة عقل ناقد ثائر يتكئ على عصا الإرادة ويهتدي ببوصلة القيم. إنها الوثبة الخلاقة بما فيها من قطيعة وتجاوز وكذلك رؤية وإنجازا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق