الافتتاحية

الغنوشي .. النهضة .. وانتصار الثورة

– محمد الحمروني –

ما تحقق يوم 6 أكتوبر، لم يكن مجرّد انتصار لحركة النهضة أو تتويج لعمل جبّار قام به أبناؤها وأنصارها وقياداتها وعلى رأسهم الشيخ راشد الغنوشي، بل هو حدث تاريخي مفصلي في مسيرة بناء دولتنا الحديثة، الدولة القوية الحرة العادلة المستقلة، وهو إلى ذلك زلزال تردّدت أصداؤه في المنطقة وفي العالم.

الغنوشي الذي قام بحملة انتخابية استثنائية، سواء في دائرته أو في بقية الدوائر، نجح في أن يحقق جملة من الأهداف الرئيسية بالنسبة للثورة وللحركة والتيّار المحافظ في بلادنا.

 

النهضة

بالنسبة للحركة، نجح هذا الانتصار في جعل أبناء الحركة يتجاوزون التجاذبات الداخلية، وفي إعادة لملمة صفوفهم من جديد، وتمتين اللحمة بينهم، وهو ما مكن الحركة – وفق الكثير من أبنائها – من استعادة روح التضامن والوحدة التي كانت سائدة سنوات الجمر، واسترداد ذلك الشعور العميق بالانتماء، لمشروع كبير، يتجاوز في أبعاده السياسةَ بالمعنى السائد للكلمة، ليرتبط من جديد بالمعنى والقيمة الأساسية للمشروع الذي نبتت فيه النهضة وعنوانه الأساسي تحرير الإنسان من كل اشكال العبودية والفقر والاستبداد.

النهضاويون، الذين وقفوا يستمعون إلى كلمة زعيمهم ليلة الانتخابات، وهو يهنئهم بالنصر، ويذكّرهم بأنه لم يكن سهلا، كانوا يدركون حجم المخاطر والصعاب والمؤامرات التي أنقذهم منها الغنوشي، وصولا إلى تحقيق نصر يعتقد كثيرون أنّه تاريخي، لأنّه عاد بالنهضة من بعيد، من حوالي 10 أو 11 في المائة من نوايا التصويت لتتصدّر المشهد بنحو 27 في المائة من مقاعد البرلمان. ولأنّه أيضا جاوز بالحركة وبالبلاد منطقة أعاصير عاتية ارادت قوى محلية واقليمية وحتى دولية استغلالها للاجهاز على الثورة ومن اتت بهم الى المشهد من 2011 الى اليوم.

وما يؤكد نجاح رئيس النهضة في إعادة اللحمة لأبنائها، تراجع منسوب التصريحات أو التدوينات الناقدة أو المنتقدة أو المعبّرة عن الغضب، وحتى من أصرّ منها على المضي في نفس النهج واستعمال نفس الخطاب، بات نشازا أو معزولا ومستهجنا من قبل أبناء الحركة.

الثورة

بالنسبة للثورة، فإنّ ما تحقق بمفاعيل هذا النصر، قد لا يقل في أهميّته عن لحظة 14 جانفي، فإذا كانت الأولى إعلانا عن نهاية حقبة مظلمة من تاريخ البلاد، فإن تاريخ 6 أكتوبر كان إنقاذا لهذه اللحظة من الانتكاس إلى الاستبداد والعودة بالبلاد إلى ما هو أسوأ أي إلى حكم المافيات والفاشيات المدعومة خارجيّا..

الخط الثوري نجح في أن يحقّق الأغلبيّة في البرلمان، فإذا جمعنا النهضة مع التيّار، مع حركة الشعب وائتلاف الكرامة، نجد أن هؤلاء لوحدهم دون احتساب المستقلين المحسوبين على الثورة، يمثلون كتلة قد تفوق من حيث العدد نصف مقاعد البرلمان وهذا انتصار كبير وعريض لخط الثورة لم يكن ليتحقق لولا تضحيات جسام وصبر طويل مكّن من إفشال كل موجات الارتداد إلى الاستبداد، وهو ما اطلقنا عليه في بعض المناسبات “نظرية الصبر الاستراتيجي”.

نحن إذا أمام “عودة قويّة لقوى الثورة بعد هزيمتها سنة 2014 وهو ما يعني أنّها استفادت أكثر من غيرها من المناخ السياسي الذي صنعه توافق النهضة والنداء”.

لقد كان انتصار الخط الثوري بقيادة النهضة، والذي جاء بطعم خاص حيث حصدت المرتبة الأولى في كل قائمات الخارج و17 قائمة داخل الوطن، ومنها بالخصوص قائمة سوسة بكل ما يحمله ذلك من دلالات، وحلّت ثانية في البقية، دليلا على  أن النهضة باتت حزبا وطنيا جامعا لا يعترف بالجهويّات.

وفي المقابل مثل فشل أو سقوط الدكاكين السياسية التي راهنت عليها بعض القوى الإقليمية والدولية، من أجل الفتك بالثورة، ووضع حدّ لهذه النقطة الوحيدة المضيئة في العالم العربي، مثّل صدمة كبيرة لدى هذه القوى التي أنفقت أموالا طائلة من أجل الدفع بالأوضاع في بلادنا في اتجاه المجهول أو إلحاقها بالحريق العربي الذي يلتهم أغلب دول المنطقة.

 

التيار المحافظ

أخيرا التيّار المحافظ الذي حقق نسبة حضور محترمة للغاية في المجلس الجديد، وهو ما يعني مزيدا من التطبيع مع الدولة ومع المجتمع لأبناء هذا التيّار. اليوم ومن خلال تجربة النهضة في الحكم، وبفضل رجاحة ورصانة وحكمة من يقومون على هذه الحركة، انتقل النهضويون  من مجموعة تحيط بها ظلال من الشك والريبة والتخوّف، إلى فئة باتت اليوم عنوانا للاستقرار وملجأ للتونسيّين في الأوقات العصيبة.

لأن أحد أهم التفسيرات لما حدث يوم 6 أكتوبر وأقصد به تصويت التونسيين بهذه الكيفية لحركة النهضة، مرده الثقة التي منحها الناخبون لهذه الحركة باعتبارها عامل استقرار في البلاد.. لذلك منحها الشعب ثقته، ولتبدأ مرحلة جديدة لا يجب أن نتسرّع في تحديد آليات وخيارات إدارتها.

هنيئا للنهضة انتصارها الذي يبقى بالأساس انتصار تونس والثورة والديمقراطية في انتظار أن يتحوّل إلى انتصار للتنمية والرفاه المجتمعي والقضاء على الفقر وبعث الأمل مجددا في التونسيات والتونسيات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق