راي رئيسي

تشريعية 6 أكتوبر 2019..
عودة قوية لقوى الثورة.. صفر لليسار الاستئصالي..
قاعدة صلبة لتشكيل ائتلاف حاكم حول برنامج “العصا من الوسط”

– فائزة الناصر –

مرة أخرى يفاجئ الشعب التونسي الجميع ويفرض رؤيته على كل الحسابات.. موعد 15 سبتمبر لم يكن أولى مفاجآت الشعب التونسي التي خلّف فيها بين محتضر وجريح.. فقد جاءت محطة 6 أكتوبر لتحدث الرجة نفسها، حركة النهضة في الصدارة وتفتك أعلى نسبة تصويت، يليها قلب تونس ثم الحزب الحرّ فـالتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة..

ورغم كل الزخم الاعلامي الذي قادته مؤسسات إعلامية ضخمة للترويج والتسويق لأطراف بعينها وتشويه أطراف سياسية أخرى، فإنّ قرار الشعب خالف كل توقعاتها وقال كلمته الفصل، التي تؤكد أن حساباته غير كل الحسابات ولم تعد محكومة بالضرورة بالمضامين الإعلامية التي تقدم له لتوجيه ارادته واختياره.. ولا أدّل على ذلك من تصعيد قوى لطالما تمت شيطنتهم في وسائل الإعلام المرئي منها والسمعي طيلة 9 سنوات..

الخيار الشعبي هذه المرة أثبت أن الشعب التونسي غير معني بالحسابات الايديولوجية لبعض النخب السياسية ولا بتقسيماتها كما أنه غير معني بترفها الفكري ولا تصنيفاتها المجتمعية، بقدر ما تعنيه ثلاث مسائل حياتية، أوّلها الاستقرار والأمان ويرونهما في حركة النهضة التي تعتبرها شريحة واسعة من التونسيين ضمانة للاستقرار.. ثاني هذه المسائل الحاجة إلى الخبز الذي وعدهم به القروي من خلال جولات جمعيته “خليل تونس” التي جابت أعماق البلاد المهمشة.. أما المسألة الثالثة فتمثل حاجة عدد كبير من التونسيين أيضا لسقف عال من الثورية لمقاومة الفاسدين والتصدي لمحاولات لمنظومة القديمة في إعادة التمركز والانتشار، وتثبيت الحريات، وهذه الحاجة يرونها في التيار الثوري الراديكالي بشقّيه الإسلامي واليساري..

باختصار شديد محطة 6 أكتوبر كشفت عن نهم شعبي كبير للحريّة والكرامة، ولمقاومة الفاسدين، للعدل الاجتماعي، لتأمين الخبز اليومي، وللإصلاحات الكبرى.. في المقابل الشعب أكّد أنه غير معني بصراعات الصالونات الفخمة، ولا يفقه لغة الترف الفكري التي يستمع إليها في المنابر الإعلامية صباحا مساءا، ولا بتصنيفات النمط.. فمن لم يفهم الرسالة لن يفهمها مطلقا ولن يكون له موطأ قدم في المشهد السياسي التونسي ولا في الذاكرة الشعبية..

 

استخلاصات 6 أكتوبر

أثبتت انتخابات 6 أكتوبر أنّ حركة النهضة هي المكسب الحزبي الوحيد لساحة سياسية بلا أحزاب، وأنها هي القيمة الحزبية الثابتة في كل المحطات.. حزب حركة النهضة الذي سجّل الأداء الأفضل لأنه حزب أنشأ قواعد فاعلة وصلبة ومستدامة على المستوى الشعبي لعقود خلت وطوّر منظومته التنظيمية والهيكلية ورسّخ تقاليد ديمقراطية حزبية داخله وبنى مؤسسات قوية وفاعلة ومنظمة، حركة النهضة التي جاءت بانتخابات شعبية سنة 2011 وواصلت بانتخابات ثورية سنة 2014، حين فقدت جزء من عمقها الشعبي بعد أن تحملت جزء من مسؤولية فشل منظومة حكم 2014، برزت ماكينتها الحزبية وقاعدتها الصلبة وأسندت لها انتصار 2018 في البلديات وانتصار 2019 في التشريعيات.

في المقابل تكشفت أزمة عميقة يعيشها المشهد الحزبي التونسي لم تعد تخفى على أحد.. أزمة تعرّي يوما بعد يوم مشكلات الأحزاب في بلدنا وضعفها وتحلّلها.. وعلى الرغم من أنّ الكثير من هذه القوى لعبت دورا نشطا خلال الثورة وبعدها إلا أنّها واجهت صعوبة في تطوير هويّات متّسقة، وإنشاء قواعد دعم فاعلة، وبناء قواعد انتخابية صلبة وفي الحفاظ على وحدتها وتماسكها. ومن بينها ما يمكن أن نسميه “أحزاب الاحتجاج التقليدية” أي قوى المعارضة قبل 14 جانفي مثل التقدّمي الذي أصبح لاحقا الجمهوري والمؤتمر من أجل الجمهورية والتجديد والتكتل، بزعاماتها من الشابي إلى المرزوقي باستثناء حركة النهضة وزعيمها الغنوشي الذي يخوض تجربة الدولة بعد خروج منافسيه التقليديين إلى التقاعد السياسي.

إذا جلّ الأحزاب والحركات السياسيّة تعاني في تونس من مشاكل بنيوية وهيكلية مختلفة، ما بين الضعف التنظيمي والمؤسسي، وضبابية الرؤية السياسية وعدم انسجامها، فجل الأحزاب التي تأسّست منذ الثورة إلى اليوم لم تبن على أساس برامج مضبوطة، ولا رؤية لها واضحة لتطوير البلاد وواقع حياة الناس عبر قوة الاقتراح واتساع المخيّلة، بقدر ما كانت في أغلبها مجرّد تلبية لظرفية انتخابية قد ترضي رغبة محمومة في الزعامة، ولتضخّم الذات.. إلى جانب افتقادها للديمقراطية الداخلية، وتمحور بعضها حول شخوص مؤسسيها، وظلت أغلب التجارب الحزبية في تونس محكومة بردّ الفعل أكثر منه بالفعل.. لذا نرى أحزاب فقاقيع لا تكاد تولد حتى تموت في مهدها بين تشققات وانسلاخات وصراعات ضارية لا تنتهي، فيذهب أغلب جهدها في الانقلابات الداخلية وحبك المؤامرات للسيطرة على مقاليد تسييرها، لهذا يتجنب معظمها عقد مؤتمرات انتخابية وإعادة هيكلة نفسها بالانتخابات، فجل المناصب تمنح بالتعيين والترضيات والصفقات، وقد أساءت للمشهد الحزبي ونفرت المواطن منها وشوهت نظرته إلى العمل السياسي وعمقت عجزها على التموقع والتشكل في الساحة السياسية كقوى وازنة..

محطة 6 أكتوبر أثبت للجميع أنّ كل حزب يتشكل على ماكينة مال ومصالح نخبوية نفوذية، سرعان ما ينهار ويضمحل، لأنه لم يتشكل في تربة حزبية وإنما تشكل في تربة مالية إعلامية “أزلامية” اعتمدت ثقافة الضدية ولم تعتمد على ثقافة الندية..

وكذا كان الشأن بالنسبة لهزيمة القوى العدمية، الرافضة لمشاركة الإسلاميين بسبب تشدّدها المفرط في رفع شعارات إقصائية واستئصالية وحدّية، متجاهلة تماما انتظارات التونسيين التنموية، واختزلت كل مشروعها ورؤيتها في اجتثاث الاسلاميّين من المشهد وقبرهم..

تشريعية 6 أكتوبر سجّلت أيضا عودة قوية لقوى الثورة بعد هزيمتها سنة 2014 مع هيمنة النفس الإسلامي المحافظ عليها حوالي 85 نائبا مقابل 28 نائبا للقوى العلمانية وصفر لليسار بفروعه. وهو ما يعني أن القوى الإسلامية الراديكالية استفادت من توافق النهضة والنداء أكثر منهما وأحسنت توظيف ذلك في حملاتها الانتخابية وفي استمالة الأصوات..

وتبقى تجربة السيد قيوم رامبورغ وحرمه و”خرافة” “عيش تونسي” خارج كل التصنيفات لأنهم ببساطة شديدة لم يفهموا كيف يعيشون تونسيين..

ويبقى أهم ما تولد عن محطة 6 أكتوبر هو وجود قاعدة صلبة ممكنة لتشكيل ائتلاف حاكم حول برنامج “العصا من الوسط” يركز على مكافحة الفساد والفقر وترسيخ دولة الحريات وفتح نقاش جدي حول مستقبل العدالة الانتقالية..

وتظل تونس تعيش مرحلة مهمة في مسار تثبيت البناء الديمقراطي والمرور نحو الاصلاحات الكبرى، وفي مقدمتها القضاء على الفساد في صراع بين تيّار سلطوي – تحكمي يحاول الرجوع لما قبل سنة 2011 وبين تيّار يرفض التراجع عن المكتسبات التي تم تحقيقها زمن الثورة التونسية ويعتبر أن القطع مع منظومة الفساد قدر حتمي وخيار شعبي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق