راي رئيسي

6 أكتوبر 2019: حلقة جديدة من مسلسل “حسابات وعقابات”

– لطفي هرماسي –

hermassilotfi64@gmail.com

يجمع متابعو الشأن العام أن يوم 6 أكتوبر 2019 كان محطة هامة في مسار الانتقال الديمقراطي الصعب الذي تعيشه تونس منذ ثورة 17 / 14 من خلال السياقات والنتائج والتأثيرات المحتملة وحسابات تشكل المشهد السياسي القادم من حيث بزوغ نجم مكوّنات سياسية جديدة وأفول أخرى مما ينبئ بأن الرّجّات الارتدادية لزلزال الدور الأول للانتخابات الرئاسية ما تزال مؤثرة وفاعلة بأقدار هامة بالإضافة إلى عدّة عوامل أخرى في سلسلة “الحسابات والعقابات” التي حددت ملامح التشكيلة النيابية للفترة 2019 / 2024.

ولعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أن المرحلة التي نحن بصدد افتتاحها منذ وفاة الرئيس الباجي ليست سوى مرحلة جديدة في سلسلة التحوّلات والتطورات الهامة التي تعيشها بلادنا منذ الثورة والتي ستتواصل لفترات قد تقصر أو تطول قبل بلوغنا حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي المأمول.

ومن الضروري، ونحن نعيش هذه المحطة الانتخابية الهامة أن نرصد عددا من الملاحظات والاستنتاجات الأساسية التي نعتقد أنها الرسائل الأهم التي باح لنا بها الصندوق والناخبون يوم الاقتراع نجملها فيما يلي:

 

– نسبة مشاركة ضعيفة ومناخات متشنجة:

تعتبر نسبة المشاركة في الانتخابات في الديمقراطيات أحد أهم المؤشرات الدالة على حجم ثقة ورضى المواطنين في الطبقة السياسية. ويمكن لنا بالتالي أن نعتبر أن الناخب التونسي بمشاركته الضعيفة في انتخابات 6 أكتوبر التي لم تتجاوز 42 بالمائة قد قيّم أداء الأحزاب السياسية الحاكمة منها والمعارضة خلال الفترة النيابية المنقضية تقييما سلبيا، وأن ثقته فيها باتت مهزوزة.

ولاريب أن نكوص المجلس النيابي المنتهية ولايته عن وعوده وعدم التزامه بالبرامج الانتخابية التي عرضها على الناخبين سنة 2014، بالإضافة إلى السرك السياسي الذي طبع به كامل فترته كانا سببين في ترسيخ الانطباع السيء الذي حازه والذي أثر سلبا في وجدان عموم الناخبين.

من ناحية أخرى رافقت الانتخابات التشريعية مناخات متشنجة في علاقة بحزب قلب تونس الذي أربك العملية بتشويشه الاتصالي وخطابه التحريضي وعدم احترامه لنواميس الحملات الانتخابية، كما كان لبعض وسائل الإعلام الخاصة دور جد سلبي في التحريض وخطاب الكراهية وترذيل الحياة السياسية والانحياز الأعمى لأحد المترشحين للدور الثاني في الانتخابات الرئاسية.

 

– النهضة وحسابات الفوز والخسارة

لئن عادت النهضة إلى الصدارة عقب انتخابات 6 أكتوبر، فإنها على خلاف سنة 2011 لم تحصل على أغلبية مريحة تمكّنها من هندسة تركيبة الحكومة القادمة بالشكل الذي ترتضيه خاصة وأن المرحلة القادمة تقتضي استقرارا سياسيا حتى تحقق الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي وردت ببرنامجها الانتخابي والذي لم يعد مسموحا لها التأخير في تنفيذها أو التفصي منها لأي مسوغ من المسوغات.

وإذا نجحت النهضة هذه المرة، فإن نجاحها يعود لضعف منافسيها وتشرذمهم، ولسرعة وحسن استثمارها لدروس الدور الأول للانتخابات الرئاسية، واستعادة تموقعها ضمن قوى الثورة.

هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فقد نجحت النهضة في تحييد أنصارها عن خلافات داخلية نشأت عقب تشكيل قائماتها الانتخابية بتوجيههم نحو انتصار محتمل يثبّتها في صدارة المشهد السياسي كقوة بناء أساسية في البلاد.

وفي جانب آخر أدارت النهضة حملة انتخابية ذكية غير تقليدية تخلت فيها على مظاهر الاستعراض والبهرج تواصلت خلالها مع الناخبين حيث هم، في الأحياء الشعبية، والأسواق الأسبوعية، والمقاهي، والشوارع مستفيدة من حالة الفرز السياسي بين أنصار الثورة وأنصار الفساد. على أنها تظل في امتحان صعب وتحد هام يتمثل في تشكيل الحكومة المقبلة بمكونات المشهد البانورامي المتشرذم والمتجاذب. يبقى أن نراقب عن كثب مدى قدرة النهضة على النجاح في حل معادلة تشكيل الحكومة القادمة قبيل مطلع السنة القادمة، وتمكنها من التعاطي مع حسابات القوى الأساسية المكونة للمجلس النيابي والتي لم تتأخر في إرسال رسائل مشفرة خلفيتها إعاقة تشكل الحكومة ووضع النهضة والبلد في مأزق الآجال الدستورية وإمكانية الذهاب إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في أفق ربيع أو خريف 2020

 

– نهاية النداء وانتحار الجبهة

أفضت النتائج التي باحت بها صناديق الانتخابات إلى نهاية نداء تونس الحزب الفائز في انتخابات سنة 2014 والذي منحه التونسيون ثقتهم ليصنع توازنا سياسيا مع حركة النهضة فقاده نهم رموزه للمكاسب والمسؤوليات إلى أسوإ أنواع المعارك والخصومات التي أدت إلى حالة من الفوضى السياسية العارمة وانفراد كل قيادي بحزب أو شق مما أضر بالاستقرار السياسي ومثل حجر عثرة أمام حكومات الحبيب الصيد ويوسف الشاهد لتحقيق حد ادنى من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية.

النداء الذي ولد يوم 26 جانفي 2012 من خلال البيان الذي حبره المرحوم الباجي قائد السبسي، دخل غرفة الإنعاش يوم وفاة مؤسسه، وانهار كليا يوم 6 أكتوبر 2019.

اما الجبهة الشعبية التي ولدت يوم 7 أكتوبر 2012، فقد اعتاشت على جثتي الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي ولم تشتغل على أي ملف اشتغالها بمآدب اللطم والنواح عليهما على الطريقة الشيعية وكأن البلد لم يقدم شهداء غيرهم، ثم دخلت نفق الغرفة السوداء والجهاز السري وتوارت عن أنظار الشعب فعاقبها بالتجاهل وعدم التصويت حتى يريح نفسه من الخطاب المرضي المتشنج الذي لم تعد عملته رائجة.

من المؤسف حقا أن تغيب التعبيرة اليسارية عن المجلس النيابي المنتخب بما يمكن أن تمثله من رمزية الدفاع عن المفقرين والعمال والفلاحين، وبما يمكن أن تمثله من قوة تصد لهرولة البلاد نحو ليبرالية متوحشة وخيارات الإذعان لإملاءات صندوق النقد الدولي، ولكن لم يكن بالإمكان أفضل مما كان.

 

– انتهت الانتخابات، فماذا بعد؟

بإعلان النتائج النهائية المؤقتة لانتخابات 6 أكتوبر 2019، تدخل البلاد زمن صياغة التعاقدات والتوافقات الجديدة بناء على الخارطة السياسية التي شكلها الشعب من خلال صناديق الاقتراع.

صحيح أنها خارطة معقدة، لم تعط أغلبية مطلقة لطرف سياسي بعينه، مما يجعل إدارة مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة من قبل حركة النهضة الحزب الفائز بالانتخابات أمرا عسيرا خاصة في ظل منطق خبيث تتوارى وراءه عدة أحزاب تعمل على أجندتي الابتزاز والتعويق.

من ناحية أخرى لا مناص لمكوّنات المشهدين النيابي والحكومي الجديدين من الاشتغال على حزمة من المهام التي انتخبها على أساسها التونسيون وقوامها محاربة الإرهاب، ومقاومة الفساد، والشروع فورا في الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي طال انتظارها، والتي يجب أن تتظافر كل الجهود لصوغها وإنجاحها ضمن خارطة طريق واضحة تحقق للتونسيين الرفاه والتشغيل والتنمية العادلة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق