الافتتاحية

على هامش حملة النظافة
ثورة الوعي والقانون.. واللجان الشعبيّة!

– محمد الحمروني –

مباشرة بعد انتهاء الانتخابات الرئاسيّة، انطلقت حملات نظافة من مختلف ولايات الجمهورية، تحت شعار ”نحبّوا بلادنا نظيفة”، قام عليها عدد من الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي ”الفايسبوك”، تبادلوا من خلالها مجموعة من الأفكار والآراء لتنظيف محيط منازلهم وأحيائهم وشوارع مدنهم وتزيين جدران الأماكن العامة ووضع حاويات نظافة فيها.

هذه الحملات التطوعية لم تشمل التنظيف فقط بل تجاوزتها إلى التزيين وزرع الورود ودهن الأرصفة وتزويق حاويات الفضلات وتوفير اعداد منها داخل الأحياء وتخصيص كل حاوية لصنف معين من الفضلات.

رسالة “نظف بلادك” وصلت إلى كل ولايات تونس، وانخرط فيها الجميع شيبا وشبابا، نساء ورجالا لتبث موجة من الطاقات الإيجابية لدى الشعب التونسي، وتلهمه أفكارا جديدة على غرار حملة “أزرع تونسي واستهلك تونسي” “وازرع مليون شجرة يوم عيد الشجرة” إلى جانب حملة أخرى لإطعام 120 شخص دون مأوى.

حملة النظافة هذه التي تجاوزت، بحكم اتساعها وشمولها مكونات مجتمعية  مختلفة وتحولت إلى حملة وطنية جامعة، تجاوزت كل محاولة لتوظيف أو تحويلها إلى مدخل لتشكيل واقع سياسي جديد وفرض رؤية هي في عمقها محاولة لتشكيل تونس أخرى ومشهد سياسي آخر غير ذلك الذي افرزته نتائج الانتخابات..

ومع هذا يطرح أكثر من نقطة استفهام.. عمّا إذا كان هذا الحراك، في منطلقه على الأقل، تلقائيا وعفويا ومثل استجابة لمطلب شعبي أصيل؟ أم أن أجندات ما تحاول توظيفه أو اختراقه؟

السؤال قد يبدو في زحمة الأحداث ووسط الهبة الشعبية الكبيرة، مستغربا، ولكنه سؤال قد يجد مشروعيته إلى حد ما في هذا التزامن العجيب، بين إعلان النتائج وانطلاق الحملة،  فبمجرد الإعلان عن نتائج الدور الأول انطلقت حملات النظافة في كل مكان، وكأننا أمام أمر وقع الإعداد له مسبقا وبعناية فائقة، ولسنا أمام لحظة انفجار فجئي للوعي.. كما حاول البعض ان يروج لذلك، لأن الوعي يتشكل لدى المجتمعات بالتدريج ويُبنى بناء ولا يتطور في الغالب على شكل طفرات..

فهل نحن أمام تشكل حالة وعي جديدة أم أننا أمام وعي جمعي كامن استغل مناسبة الانتخابات كي يعلن عن نفسه ويتمظهر في شكل عمل جماعي منسّق؟ هل حالة الوعي هذه عميقة حقيقية أم أنها سطحية وعابرة؟

نحن نخشى اليوم حقيقة أن يقع تزييف وعينا تحت  شعار الوعي لذلك نحن معنيون أن تكون حالة الوعي هذه حقيقية عميقة وطنية وأن لا نسمح بتحويلها إلى لحظة تزييف للوعي بحجة الوعي، مثلما وقع في السابق عندما وقع رهن قرارنا السيادي وبيع ثرواتنا الطبيعية بشرعية التحرير ومثلما تمت محاربة مخرجات الثورة والانتقال الديمقراطي بحجة الدفاع عن الثورة وعن الحرية والديمقراطية.

لحظة الوعي التي نريد يجب أن تكون نقية بكرا لا يخالطها مكر ولا تركبها أجندات لا نعلم ماهي وقد تنتهي بنا إلى ما آلت إليه الأوضاع في بعض الجوار العربي زمن حكم اللجان الثورية والتي انتهت ببلد ثري مثل ليبيا إلى حالة من التخلف استثنائية في المنطقة وفي العالم..

في المنعطفات الحاسمة من تاريخ الشعوب قد تُسرق أحلامها باسم شرعيات أو شعارات تركب الأحداث وتُجيّرها لغير ما أريد لها..  فبسم شرعية التحرير تمت شرعنة الاستبداد وسرقة حلم الدولة الوطنية، وباسم الحفاظ على الثورة تم التمكين للثورة المضادة..  ونخشى اليوم أن تركب بعض الأطراف المعادية للثورة وللانتقال الديمقراطي شعار الوعي لتقوم بتزييفه عبر الدفع بالبلاد نحو المجهول..

عموما هناك اليوم خشية حقيقية من أن يقع استغلال الحالة السياسية التي طفت على سطح الأحداث بعد الانتخابات الأخيرة أو اختراقها، من قبل أطراف رفضها الشارع عبر الصندوق، وتريد أن تعود إلى المشهد من خلال “لجان” بدأت تتشكل ولا يعلم أحد كيف ولا من يقف وراءها..

وهذا ليس إلا خلطا للأوراق وتشويشا على الصورة الناصعة التي وسمت بلادنا بمفاعيل الانتخابات الأخيرة، عبر محاولة فرض واقع جديد هدفه الأساسي ضرب العمود الفقري للحياة السياسية واستقرارها في بلادنا، والذهاب بالبلاد إلى نظام سياسي يقوم على لجان شعبية أو سوفياتات وهو النظام الذي لم ينجح في مواطنه.. لا في ليبيا معمر القذاقي ولا في روسيا الاتحاد السوفياتي..

ومع ذلك هناك من يعتقد أن هذا هو الحل الوحيد لبلادنا لإخراجها من الأوضاع الصعبة التي تمر بها رغم كل الشواهد التاريخية التي تقول عكس ذلك.. والصحيح أن هذا الخيار هو أقصر طريق إلى الفوضى والتخلف والاستبداد في أبشع صوره سواء أخذنا مثال ليبيا أو الاتحاد السوفياتي..

نحن نعتقد أن كثيرين ممن يعمدون إلى هذا الطرح يفعلون ذلك عن حسن نية ولكن الخشية اليوم أن تستغل حسن نوايانا وتسرق أحلامها من جديد لنجد أنفسنا بعد فترة قصيرة نعيد انتاج شعارات من نوع “من تحزب خان” و”البيت لساكنه”.. فهل علينا أن نتسلح في هذه الحال بحسن النية؟

أعتقد أن العكس هو الصحيح، لأن تجارب الماضي أثبتت أننا يجب أن نكون حذرين خاصة في هذه اللحظات التاريخية الحاسمة حتى لا تنزلق تجربتنا إلى الفوضى ويسرق حلمنا من جديد..

نعم لحالة الوعي، ولكن حالة الوعي هذه يحب أن تكون واعية عقلانية لا أن تكون أشبه بالموجة أو الهبة التي تغلب عليها العاطفة والاندفاع..  وأولى شروط الوعي الحس النقدي والسمت العلمي والمنهحي وعدم الاستسلام للشعارات وعدم الانسياق وراء بعض الموجات بشكل أعمى..

لحظة الوعي يجب أن تكون واعية وإلا فإنها ستتحول إلى كذبة أو خديعة كبرى وسندفع ثمنها غاليا في المستقبل.. حالة الوعي هذه يجب أن تكون ملتحمة بالتحديات الحقيقية التي تواجهها بلادنا، وهي التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. حالة الوعي هذه يجب أن تتحول إلى طاقة فعل حقيقي وعمل وتنمية لا عامل ارباك يشغلنا عن التحديات التي نواجهها اليوم في بلادنا وأولها ضرورة تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن لأن أوضاع البلاد لم تعد تحتمل المزيد من التأخير والتعطيل وغموض الرؤيا..

هذه ثورتنا نريدها ثورة الوعي والقانون تبني الدولة وتحفظ مؤسساتها لا ثورة اللجان الشعبية، التي أهلكت الحرث والنسل..

والحمد لله أن جاء خطاب القسم للرئيس الجديد قيس سعيد يوم أمس تحت قبة البرلمان مطمئنا ويزيل الكثير من هذه المخاوف ولكن مجمل الهواجس التي تحدثنا عنها تظل قائمة وتتطلب منا يقظة سياسية واستراتيجية تامة.. إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق