راي رئيسي

جمهور “حالة وعي” في مواجهة “نخبة الوصاية”..
معركة الخروج النهائي من مربّعات الصراع الهووي

– أسامة بالطاهر –

في وقت ينصبّ فيه اهتمام الطبقة السياسيّة التي أفرزتها انتخابات 2019 على مناقشة سبل حلّ أبرز إشكالات المواطن التونسي وإعرابها عن استعدادها للاهتمام بمشاغله وتحقيق انتظاراته وتطلّعاته، تطلّ علينا عيّنات من النخبة التونسيّة التي احترفت إثارة القضايا الجانبيّة والهامشيّة في محاولة لصرف اهتمام الرأي العام عن المشاغل الحقيقيّة وإشغاله بقضايا جانبيّة ليس الوقت مناسبا لطرحها لأن هناك ما هو أهمّ.

وفي وقت عبّر فيه الشعب عن حالة وعي أعلن من خلالها استعادته لزمام المبادرة لقيادة نفسه في اتجاه تحقيق أهداف ثورته بالمجهود الماديّ والمعنوي، وتنصيب نفسه عينا تراقب وقوّة تحاسب، تستميت تلك العيّنة نفسها من أجل إنقاذ وصايتها على الشعب.

“نخبة الوصاية !” صاحبة المعارف الموسوعيّة والأفكار الاستشرافيّة والإلمام الواسع بكل الاختصاصات والقطاعات والتي تتحدّث في كل المواضيع، والتي نصبت حلقات لجلد الشعب الذي جاءت رياحه بما لا تشتهي سفن “عروفاتها” ووصفته بالشعب الجاهل والقاصر والذي لا يفقه شيئا وأن رأيه غير مقدّس، لم تستوعب أنها فقدت التأثير فيه وأن قبضتها ارتخت ولم يعد بوسعها تشكيل الرأي العام على هوى رؤسائها ومزاجهم. بل أكثر من ذلك، حقّق هذا الشعب إنجازا من خارج تنظيراتها وعكس توجيهاتها وهدم كل توقّعاتها فظهرت خارجة عن السياق وبعيدة عن أرض الواقع.

لم تستوعب ذلك لأنّها وببساطة – مؤخوذة بالزهو والغرور – راحت تكرّر نفس السيناريوهات، التي قد تكون نجحت في إدخال تونس في متاهات الصراع “الهووي” وعطّلت الانتقال الديمقراطي والاقتصادي الذي من أجله قامت الثورة، ولكنها الآن أصبحت مخططات مكشوفة و”محروقة”.

فإن كان بثّ “فيلم برسيبوليس” سنة 2011 نجح في جرّ البلاد إلى مربّع صراع الهويّة بين غيورين على المقدّسات وخائفين على حريّة التعبير، وإن كان إحياء فكرة الاستقطاب الثنائي على أساس التناقض بين الاسلام والحداثة سنة 2014 بأشكال أخرى (المساواة في الميراث…) نجح في شغل الرأي العام في قضايا ثانويّة، فإن محاولة استنساخ هذه التجارب اليوم لن تمرّ أبدا والرهان في ذلك على حالة الوعي التي عبّر عنها الشعب بتغيير في سلوكه تجاه الفضاء العام.

فأن تنتفض عيّنة من النخبة التونسيّة دفاعا عن رئيس الجمهوريّة الأسبق الحبيب بورقيبة واعتبار انتقاده جريمة نكراء ومسّا من ذات مقدّسة وتجريم من يقوم به وفي المقابل تصمت عن إساءة إلى الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلّم وتبرّر ذلك بحريّة التعبير وحريّة الضمير، فإن ذلك يدخل في باب بثّ الفتنة داخل المجتمع وسعيّا إلى توتير الأجواء واستفزازا تبحث من خلاله عن ردّة فعل عنيفة يكون حجّة لها على “رجعيّة” الشعب وأنّه بحاجة إلى من يهديه إلى الحداثة، ولكن صوت الوعي المواطني كان في الموعد مرّة أخرى وفوّت على النخبة هذه الفرصة، فكان الردّ حكيما رصينا من خلال الدعوة إلى عدم الانجرار خلف من يبحثون عن الإثارة والتورّط في تهديدهم وبأن أحسن ردّ يكون بالسكوت وعدم ذكرهم في مرحلة أولى ثمّ اللجوء إلى مؤسسات الدولة المعنيّة بتطبيق الدستور ورسم الحدود الفاصلة بين الحريّات والمقدّسات.

المواطن استقلّ اليوم قطار “المواطنة” وهي التي ستحدّد تعاملاته مستقبلا، المعارك القادمة التي عليه أن يخوضها هي فقط معارك التنمية وخلق الثروة وتوزيعها العادل بين التونسيّين على قاعدة “المواطنة” وفي ظل الدستور، وما على النخبة أن تستقلّ معه القطار نفسه وأن تهتمّ بما يشغله وتعينه عليه. فالتاريخ لا يذكر إلا من بذل نفسه من أجل أن ينير الطريق لشعبه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق