راي رئيسي

عُسر ولادة حكومة … وحالة “إجهاض محتملة”

– بحري العرفاوي –

حركة النهضة الفائزة في الانتخابات البرلمانية المعنية بتشكيل الحكومة لم تتوقف منذ أيام عن إجراء اتصالات بالأحزاب والجماعات بحثا عن حظوظ الالتقاء في رؤية مشتركة لتشكيل حكومة، الحركة ـ لحرصها ـ لم تنتظر خطاب التكليف الذي يُفترض أن يصلها رسميا من رئيس الجمهورية يوم 13 نوفمبر الجاري، هي تتحسس الساحة من أيام تريد أن تكون جاهزة وواضحة الرؤية فلا تستغرق مدتها القانونية في البحث والمواءمة بين المختلفين والمتخاصمين.

الأحزاب التي قدّرت النهضة استعدادهم للحكم معها تراوحت مواقفهم بين الرفض والاشتراط وهو أمر عادي في كل مفاوضات بين المتنافسين إذ يرفع كل طرف سقف مطالبه حتى إذا ما حصلت تنازلات متبادلة توصل المتفاوضون على نقطة مشتركة.

اشتراط كل من التيار الديمقراطي وحركة الشعب ألا يكون رئيس الحكومة من النهضة يراه مراقبون اشتراطا تعجيزيا لرفع الحرج عن أنفسهم أمام الرأي العام التونسي الذي قد يتهمهم بعدم تحمل المسؤولية تجاه الوطن في ظروف اقتصادية صعبة تحتاج جهد كل الوطنيين لتجاوز الأزمة ، ويراه آخرون محاولة للدفع بالنهضة نحو شراكة اضطرارية “غير نظيفة” مع أطراف محسوبة على الفساد وقد سبق أن تعهدت النهضة بعدم التحالف معهم.

الأستاذ راشد الغنوشي رئيس الحزب الفائز يقود المفاوضات بنفسه مصحوبا بقيادات عليا من حزبه وهو لم يعبر عن رغبته في ان يكون هو رئيس الحكومة رغم أن عددا من رفاقه يرونها الأولى قانونيا وانه الأكفأ تجربة وعلاقاتٍ محلية إقليمية ودولية.

النهضة التي تتنازل دائما لمصلحة المسار الديمقراطي والسلم الأهلي والتعايش بين التونسيين، تتعرض اليوم لضغط كبير من مناضليها وجمهورها العريض يرفضون أي تنازل عن حقهم القانوني في تشكيل الحكومة ورئاستها، وهم إذ يتمسكون بهذا الحق ليس حبا في السلطة وإنما دفاعا عن حق دستوري ودفاعا عن شرف الحركة التي خسرت من شعبيتها الكثير بسبب تنازلاتها و”تلطّفها” بالمسار الذي لم يشتدّ عوده بعد.

ترتفع أصوات عديدة تعلن أن إعادة الانتخابات وبالقانون الانتخابي الجديد ـ تستعجل إمضاء الرئيس عليه ـ أفضل من القبول بشروط مجحفة تضعها بعض الأطراف مقابل مشاركتها في الحكم،تلك الأصوات تعتبر أن من زايدوا على النهضة في الثورية هم من اقتطعوا من خزانها الانتخابي في الرئاسية والتشريعية وهم من قد يُغرون الناخبين بالانصراف إليهم مستقبلا إذا ما استمرت حركة النهضة في تقديم التنازلات.

حركة النهضة تعي جيدا أهمية “الزمن السياسي” وتعي أن وضع البلاد لا يتحمل مزيدا من “العراك” الحزبي ومن التراخي في تشكيل حكومة عملية وجادة وفعالة، ولكنها في نفس الوقت تعي أن “الحِمل” ثقيل وأن المستقبل مُثقل بالتحديات وأن “السخونة” السياسية قد تعمل على عرقلة حكومة ترأسها النهضة أو تشترك فيها مع من يُشبهونها ممن يعترض عليهم أدعياء الحداثة من سياسيين ونقابيين.

هل تستطيع النهضة مزيد التبريد لأعصابها لاستكمال المشاورات ومعالجة الاشتراطات حتى تشكيل حكومة مقتدرة، أم إننا سنشهد عملية “إجهاض” بعد عسر مخاض يذهب بنا إلى إعادة الانتخابات وإعادة رسم الخارطة البرلمانية والتحالفات السياسية بناء على نتائج لن تكون بالتأكيد شبيهة بالتي سبقتها؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق