راي رئيسي

مفاوضات تشكيل الحكومة: في السؤال الغائب؟

– نور الدين الختروشي –

نتابع منذ شهر تقريبا يوميّات الحوار حول تشكيل الحكومة بعد زلزال الانتخابات الرئاسية والتشريعية الذي أعاد هندسة المشهد السياسي وتوزيع الأحجام والمواقع والأدوار للفاعلين القدم والجدد في المشهد.

أهم الخلاصات في مخرجات الزلزال الانتخابي ركزت على انتصار الناخب لقيم الثورة والحسم الأخلاقي والسياسي الحدّي في المنظومة القديمة.

هذه الخلاصة وتلك الحقيقة هي مدار وجوهر التأويل السياسي الذي تحكم في خطاب وسلوك جلّ الفاعلين في المشهد رغم ارتباطها بتغيير استراتيجي عميق في قراءة وتمثل المرحلة البينية المتموجة التي نتابع يومياتها منذ الثورة إلى اليوم لنقترب قريبا من هذا العنوان الفارق في رسالة الناخب ونسأل هل أن شطب “تونس القديمة” من الخارطة الانتخابية يعكس تحوّلا في ميزان القوّة الواقعي لصالح “تونس الثورة”؟

قبل محاولة الإجابة على هذا السؤال ربما من المفيد أن نعرف “تونس القديمة” فالغموض في الاصطلاح والدلالة قد يطوّح بالسياسة عند سؤال ما العمل بعيدا عن حقائق الواقع الصلبة لمجال تحركها وقد ينحرف باستراتيجيات التعامل مع الواقع بما لا يتحمله في الآن والمآل.

نقصد بتونس القديمة كل القوى الظاهرة والخفيّة المتضرّرة. من منجز الثورة أو المتوجّسة منها. وهذه القوى تختلف في منسوب وحدة الرفض لجديد الثورة فمنها من يعادي كل مخرجات الثورة ويعتبرها مؤامرة ومنها من يرفضها لأنه يعتقد عن قناعة أن الثورة قفزة في المجهول ولم تتهيأ شروطها التاريخية ومنها من يخشى على الأمن والسلم من الحريّة ومنها من يعادي الثورة لأسباب إيديولوجية وعقدة هؤلاء تتعلق باستجلاب الاسلاميّين لمربع الحكم.

وهذه القوى موزعة بين بؤر التأثير في القرار الرسمي في أعماق الإدارة وفي المجتمع المدني (المنظمة الشغيلة خاصة) ومنها ما هو متحكّم في وسائل الإعلام وصناعة وتوجيه الرأي العام ومنها ما يمسك بالسوق ويتحكم في العملية الاقتصادية ومؤشر النمو عبر بارونات متحكمة حلقات الوصل بين السوق الرسمي والسوق الموازي الذي توسع بعد الثورة واستغل للأقصى ضعف الرقابة الرسمية بضعف حضور الدولة التي تبحث هي نفسها عن توازنها بعد زلزال الثورة الذي كاد يعصف بوجودها.

“تونس القديمة” هذه تتقاطع في فهمها للمرحلة وأداءها الخفيّ والظاهر مع أطراف إقليمية ودولية ومع استراتجياتها في التعاطي مع ما سمّي بدول الربيع العربي ومنها من يمثل أذرعة مباشرة – تمويلا وتوجيها – لتلك الأطراف الخارجية المعنية بالحالة التونسية.

الخلاصة عندي ليس من الدقة توصيف تونس القديمة في خانة قوى الردّة على الثورة فمنها من تحمس للثورة ثم أحبطته النخب الجديدة بحجم التخارج والتباعد بين المأمول والمحصول من الثورة. فثنائية ثورة وثورة مضادة وعند التركيز عليها بمجهر السياسة المعني بالفواصل والتفاصيل لا تعكس حقيقة واقعة وماثلة في المشهد التونسي ولعل حزب عبير موسي الذي يختزن في خطابه وأدائه كل مفردات “حنين العودة” للاستبداد يعبّر عن الحجم الحقيقي لما يسمى بالثورة المضادة وهو وبمقاس الحصّة النيابية الماثلة يبدو بدون قدرة على التأثير في العملية السياسيّة رغم أن مجرّد وجوده في المشهد يؤشر على اعتراف الديمقراطية بحق أعدائها في الوجود والتعبير عن نفسها والتسويق لخطابها وهو أم دروس النقلة التاريخية العميقة الذي يشهده المجال السياسي بعد الثورة المجيدة.

بالعودة الآن في التحليل إلى حقيقة شطب الناخب لموقع ودور “تونس القديمة” التي تمثلها عينيا أحزاب القروي والشاهد وعبير موسي نؤكد على صلبة الملاحظة التي تؤكد على زحزحة الناخب للمنظومة القديمة ودفعها إلى حدود هوامش المربع الرسمي للعبة السياسية.

السؤال المتداعي من هذا هو التالي: هل فقدت تونس القديمة قوة وآليات التأثير في مآلات الوضع بفقدان موقعها من الخارطة النيابية؟ وهل أن الحجم النيابي يعكس حقيقة الحجم الواقعي في التأثير على مسار العملية السياسية ذاتها؟

وهل شهدنا مع الانتخابات تحولا مفصليا في تغيير ميزان القوة بين تونس الجديدة والقديمة؟

ملموسية ودقة الإجابة عن هذه الأسئلة مهمّة وفارقة في التعاطي مع الاستحقاقات الوطنية القادمة وفي مقدمتها اليوم استحقاق التشكيل الحكومي.

فالقول بأن موازين القوّة تغيرت يعني سياسيا وفي الحالة التونسية شطب عنوان التوافق الذي كان الرافعة الاستراتيجية في إدارة المرحلة البينية والتحكم في توازناتها إلى حد الساعة.

عند هذه الخلاصة أعتقد أن المعنيّين بتشكيل الفريق الحكومي يجب أن يقفوا طويلا وبحاسة تركيز عالية لأن العنوان المتعلّق بادرة المرحلة لا يحتمل الخطأ على عكس التعاطي مع اليوميات الذي يحتمل منطق التقدير ومقوّمات الخطأ.

فالعناوين الكبرى لإدارة المرحلة تتعلق دائما بالمصير الوطني العام في حين تتصل عناوين إدارة اليوميات بتحسين شروط الموجود السياسي والاجتماعي وعند هذه النقطة يكمن خط الفصل بين الاستراتيجي واليومي.

وعند حدّ التحليل هنا ننبه إلى خطورة التسرع في تغيير استراتيجية التعاطي مع المرحلة القادمة. فمن زاوية اخرى يمكن التنبيه إلى أن تونس القديمة وإن عاقبها الناخب بدفعها إلى هامش المربع النيابي فإنّها لم تفقد واقعا مواقع تأثيرها التقليدية والتي لا ننسى أنّها مرت مع انتخابات التأسيسي بصراط الانتخابات ورمتها العملية الانتخابية بقسوة إلى هامش الهوامش في انتخابات العهدة التأسيسية ومع ذلك استطاعت إعادة انتاج نفسها من خارج مربع اللعبة الرسمية وحققت انقلابا انتخابيّا مدهشا في العهدة السابقة وتمكنت في السنوات الخمسة الماضية من إعادة الانتشار والتموقع في مربعاتها التقليدية رغم أنّها حزبيا وتنظيميا تفككت بمفعول عنوان التوافق وهو ما أضطرها أن تخوض الانتخابات الأخيرة مشتتة وموزعة على أكثر من عنوان حزبي.

تونس القديمة التي خسرت رهان وحدتها السياسي وتشرّدت بين فسيفساء حزبية فقدت ذراعها السياسي الموحد بزعامة الباجي قايد السبسي ولكنها واقعيا مازالت موجودة في مواقعها وحصونها التاريخية الموزعة بين السوق والإدارة والاعلام والمجتمع المدني وقد أثبتت قدرة سياسية وميدانية فارقة في تعطيل المسار وهي مشتتة في زمن الترويكا ولما توحّدت تمكّنت من استعادة الحكم بآليات الديمقراطية وكانت مستعدة ومؤهلة للانقلاب قبل ذلك على المسار.

والخلاصة عندي أنّ سنوات حكم التوافق وإن فككت الوحدة التنظيمية لتونس القديمة، فإنّها لم تقضي عليها ولم تنهي قدرتها على إعادة انتاج نفسها في بؤر السلطة الخفية والظاهرة التي مازالت بين ايديها.

بل أن رمي تونس القديمة خارج مربع اللعبة الديمقراطية وعقابها الانتخابي سيدفعها حتما للتعبير عن نفسها خارج قواعد اللعبة الرسمية مع ما يعنيه ذلك من ممكن التقاطع والتحالف مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بوأد التجربة التونسية وإغراقها في مصير بقية بلدان الثورات العربية.

بالعودة عند هذه النقطة لصداع تشكيل الحكومة نلاحظ بداية أن حركة النهضة قد تعاطت مع معطيات المشهد النيابي الجديد بشكلانية وسطحية صادمة لأنّها من المفترض أنّها تملك المعطيات الدقيقة حول حقيقة وحجم “تونس الجديدة” التي يسميها خطابها تجاوزا “بقوى الثورة” فائتلاف الكرامة والتيّار وحزب الشعب إذا سلّمنا أنّها تمثل تونس الثورة تبقى أطرافا هامشية جدّا في معادلة التحكم في السلطة ومآلات الحالة التونسية وخطابها الانتخابي الذي استجلب لها موقعا صغيرا في المشهد النيابي الجديد لا يغير من موازين القوة الحقيقي في معادلة الصراع الصلبة بين القديم والجديد في تونس اليوم.

فالنهضة التي تبحث عن تحالف حكم مع هذه القوى بالنهاية هي تدير صعوبة التعامل مع “الشبيه السياسي،” هذا في حين تطلب السياسة بحساب الحاجة الوطنية للبحث عن توافقات مع الأطراف القادرة على التأثير في معادلة الاستقرار السياسي والاجتماعي في العهدة القادمة والتي لا تتحمل – بحساب مؤشرات الازمة الاقتصادية التي رمتنا على حدود الافلاس – أي خطأ في تقدير الدالة الاستراتيجية.

عقدة المقبولية لدى حركة النهضة المتصلة بهويتها الإيديولوجية تعمق صداعها في مونبليزير عندما تستحضر النهضة الرفض الطفولي الطائش للتحالف معها من الشبيه السياسي الذي من المفترض أنّه يقف معها على نفس أرضية تونس الديمقراطية اما نقيضها الذي توافق معها بدالة الضرورة السياسية أو الانتخابية بالتحديد وللمفارقة فقد أحدثت في صفوفه اختراقات مهمة – في الخارج خاصة – ومن المفروض أن تواصل مراكمة مكاسبها البسيطة على هذا الخط تناسته النهضة ويممت وجهها شطر ما تسميه بالقوى الثورية التي تعرف جيّدا أنّها لا تأثير لها في معادلة القوّة والسلطة في ما نسميه بالدولة العميقة أو الصلبة المتحكمة في مآلات اللعبة بالنهاية.

ما يبدو من تغير مفصلي في ميزان القوّة لصالح تونس الثورة ليس سوى تصعيد شعبوي عاطفي من لواحق فوز قيس سعيد بالرئاسيات ولا أظن انه ذا تأثير فارق في ترتيبات معادلة الصلبة كما تفصح عنها الحقيقة الوطنية. وخشيتنا حقيقة أن يتحوّل الخطأ في وجهة البحث عن الائتلاف الحكومي القادم إلى خطأ استراتيجي في فلسفة إدارة المرحلة بنسيان عنوان التحوّل الديمقراطي والعودة إلى رومانسية التحوّل الثوري مع ما يعني ذلك من خوض معركة كسر عظام جديدة في وضع اقتصادي هش وأزمة اجتماعية ساكتة وكامنة ومنتظرة ولكنها عميقة وفي وضع دولي سائل وغائم ومتحول في كل الاتجاهات وفي وضع إقليمي متموّج ومضطرب وقابل للانفجار.

أسئلة الساعة الانتخابية المتعلقة بتفاصيل التشكيل الحكومي من نوع توزيع الحقائب وأحقية النهضة في قيادة الحكومة وغيرها تبدو تفاصيلا غير مهمة بالمرّة إذا حاكمناها من زاوية الرؤية الاستراتيجية للمرحلة التي يمكن أن تنحرف بالمسار عن سكته، والتي رسمها تحديدا عنوان التوافق.

الحسم في المنظور الاستراتيجي للمرحلة يحتاج لقراءة اكثر هدوء ورصانة وعمقا في تحوّل موازين القوى والخشية حقيقية من ممكن الخطأ المفزع في منهج التعاطي مع العهدة القادمة بدالة ثورية رمادية ومغامرة قد تعصف بالمركب وراكبيه، وعلى مونبليزير وهي تدير اليوم ملف التشكيل الحكومي أن تستحضر هذا المعطى فقد يغيّر من فلسفة التفاوض وقاعدته وأفقه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق