راي رئيسي

هل تتغيّر المواقف من تشكيل الحكومة بعد تكليف مرشّح حركة النهضة؟

– محمد القوماني –

يرتفع نسق المفاوضات حول تشكيل الحكومة ويدخل طورا مختلفا في المضمون وحتّى في الشّكل، بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية وتكليف رئيس الجمهورية مرشّح حركة النهضة، الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة، بتكوين الحكومة خلال شهر. ومن الأرجح أن يصوّت مجلس شورى حركة النهضة على تلك الشخصية قبل إعلام الرئيس بها. إذ يعقد شورى النهضة نهاية هذا الأسبوع دورة للنظر في تقرير المكتب التنفيذي حول الجولة الأولى من المفاوضات وتدقيق خيارات الحركة على هذا الصعيد. فهل تظلّ المواقف المعلنة إلى حدّ الآن على حالها بعد دخول الآجال الدستورية لتشكيل الحكومة؟ وما فائدة المفاوضات إذا لم تحتمل تغيّر المواقف وتقديم مختلف الأطراف المعنية، دون استثناء، لتنازلات؟ وأيّة سيناريوهات ممكنة لتشكيل الحكومة؟

تجري المفاوضات حول تشكيل الحكومة علنية إلى حدّ كبير بإرادة واضحة من المعنيين بها. إذ تحرص مختلف الأحزاب على نشر صور وبلاغات إعلامية حول اللقاءات الثنائية، فضلا عن تصريحات القيادات الحزبية في المنابر المختلفة. ويبدو واضحا للمتابعين أنّ حصائل الجولة الأولى من المشاورات والمفاوضات ضعيفة ولا تؤشّر على إمكانية حصول شراكة بين النهضة والأحزاب التي دعتها إلى مشاركتها في الحكومة. فبعد استبعاد النهضة لحزبي الدستوري الحر وقلب تونس من المفاوضات، وبعد أن وضعت حركة الشعب نفسها في دائرة المستحيل، بمناكفتها الأيديولوجية لحركة النهضة ورفض العمل تحت قيادتها، وبعد الاشتراطات عالية السقف للتيار الديمقراطي والانقسام الواضح والتردّد في موقف تحيا تونس، التي كان خطاب أحد نوابها المنتخبين مبروك كورشيد، متماهيا مع موقف حركة الشعب، تبدو الصعوبات كبيرة أمام تحقيق النهضة لهدفها، رغم ما أبدته أطراف أخرى من تفاعل إيجابي معها، على غرار ائتلاف الكرامة وحزب اتحاد الشعب الجمهوري.

وإضافة إلى الخلافات مع النهضة، تطفو اختلافات بينية أخرى، على غرار اشتراط حزب معيّن مشاركته في الحكومة بعدم مشاركة طرف معيّن بها. ورغم إصرار حركة النهضة على إعطاء الأولوية لوثيقة التعاقد للحكم، بعرضها على الأحزاب المعنية بالمشاركة وعلى المنظمات الوطنية الكبرى، فإنّ مضمون الوثيقة لم يثر جدالا واضحا حول المضامين، غير بعض التعليقات المتسرّعة والعامة، حول الصياغة “الفضفاضة” للأولويات والمقترحات. ولا يزال الجدال الأساسي حول رئاسة الحكومة وبعض حقائب السيادة. وبالتزامن مع المفاوضات العلنية مع النهضة، تجري اتصالات “خفيّة”، بين أحزاب ونواب منتخبين وتُعدّ سياريوهات مختلفة، ومن ذلك تصريح القيادي بقلب تونس حاتم المليكي مؤخرا حول الحوارات بين حزبه وحزبي حركة الشعب والتيار الديمقراطي. إذ لا يخفى اشتغال البعض على إفشال “حكومة النهضة” والمرور إلى الصيغة الدستورية الثانية لتشكيل ما سمّي “حكومة الرئيس”.

تبدو الحاجة ماسّة إلى الإسراع بتكوين حكومة جديدة، كما يبدو سيناريو الدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة مستبعدا، لذلك نرجّح تسريع نسق المفاوضات وتعديل الأطراف المختلفة لمواقفها للوصول إلى تعاقد وتشكيل حكومة ائتلافية خلال شهر من التكليف. فقد تقدّم النهضة الأهمّ على المهمّ، فتحتفظ بتعيين رئيس للحكومة غير قابل للتفاوض مع الشركاء، وقد تختار شخصية كفأة وجامعة وغير مثيرة للجدال من غير رئيسها أو أحد قياداتها، لتذليل الصعوبات مع بعض الأحزاب الراغبة في المشاركة، وحتى ترفع التحدّي الأهمّ بتحمّلها لمسؤوليتها الدستورية في تشكيل الحكومة، وتستبعد مخاطر الفشل في حيازة مرشحها على النصاب بالبرلمان، فيتم المرور إلى الصيغة الثانية بتكليف الرئيس بعد المشاورات، شخصية أخرى.

وهذا التنازل الهام من النهضة إذا أقرّه مجلس الشورى، لا يعني البتّة حديث البعض عن حكومة “تكنوقراط” أو “مستقلين”. فقد سقطت بالتجربة مثل هذه الإدّعاءات والخيارات. إذ ستظلّ الحكومة سياسية وبقيادة النهضة، التي سيكون لها التمثيل الأكبر بحسب ترتيبها في البرلمان وستشكّل الحزام السياسي الرئيسي للجكومة، على غرار حكومة النداء الأولى بقيادة الحبيب الصيد بعد انتخابات 2014. والحكومة السياسية تضمّ كفاءات متحزبة أو غير متحزبة، فالمهم أن تُسند الحقيبة للأكفإ والأقدر حسب البرنامج، وليس للحزب أو للمنصب الحزبي. وسيكون رئيس الحكومة المكلّف طرفا رئيسيا في قيادة المفاوضات وتدقيق البرنامج وتحديد هيكلة الحكومة واختيار أعضائها.

وبتنازلها ستعطي النهضة المثال مرة أخرى في التضحية الحزبية من أجل المصلحة الوطنية، وستضغط معنويا وسياسيا على بقية الأطراف لتتنازل بدورها على اشتراطاتها على النهضة أو فيما بينها، ولتتقارب معها، إذا كانت خلافاتها معها سياسية حقا وليست ذات طبيعة أخرى. فقد تجتمع مواقف التيار وائتلاف الكرامة وتحيا تونس، في الرغبة في المشاركة، وقد تنضم إلى هذه الأطراف أحزاب أخرى أقلّ تمثيلية أو مستقلون. وقد يعدّل قلب تونس موقفه المعلن، ليصوّت للحكومة دون المشاركة فيها. وهذا السيناريو الذي نراه الأقرب للتحقيق، سيساعد على ربح الوقت، ويضمن مرورا سهلا للحكومة بالبرلمان ويضعف سناريوهات أخرى يشتغل عليها البعض.

كثيرا ما ردّدت أحزاب وشخصيات أثناء الحملة الانتخابية أنها تعطي الأولوية للمصلحة الوطنية ولخدمة الناس، فلا يليق بها في هذه المرحلة أن تقدّم الحسابات الحزبية في العلاقة بالنهضة أو فيما بينها في مفاوضات تشكيل الحكومة. فالبرنامج قبل الحقائب، والتعاون أوكد على رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، التي ينوء بحملها طرف واحد. وإذا كانت بعض الأطراف السياسية منتصرة لخط الثورة حقا، ووفيّة لخيارات الناخبين في تقديم هذا الخط في 2019، فإنها تفوّت الفرصة على نفسها في تحقيق ذلك حين تعرقل نجاح حركة النهضة في تشكيل الحكومة، فتفتح المجال واسعا لتشكّلها القوّة المقابلة. وكم يحضرنا في هذه الأيام قول المهاتما غاندي “كثيرون حول السلطة، قليلون حول الوطن”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق