راي رئيسي

الأستاذ راشد الغنوشي..
“خمائر” الثورة و”سوائل” الدولة

– بحري العرفاوي –

دائما في زمن الاستبداد تُدّخرُ الشعاراتُ الكبرى “خمائر” للثورة حتى إذا ما استقر الحال للشعب ودخل مسار التجريب الديمقراطي كان لابد من “تسييل” تلك “الخمائر” في مسالك الدولة ومؤسساتها وفي آليات الممارسة الديمقراطية.

حتى دعاة “العنف الثوري” لا يمكنهم المزايدة على ثورية الأستاذ راشد الغنوشي في البُعد الغَضبي للثورة وفي حماستها وشعاراتها الراديكالية بوجه الاستبداد السياسي والحيف الاجتماعي وهو صاحب التصريحات النارية المحرضة على التمرد الشعبي وعلى العصيان المدني لكسر عقدة الخوف وتجرئة الجماهير على المستبدين سواء في العهد البورقيبي أو العهد النوفمبري بل إن بعض خصومه يتخذون من تصريحاته تلك دليلة إدانة وحجة على كونه ليس رجل حوار وانفتاح وهم يتعمدون الخلط بين الحوار مع الشركاء السياسيين وبين الحوار مع قبضة الاستبداد ويتعمدون الخلط بين الدعوة إلى الاستعصاء بوجه الأجهزة القمعية وبين الدعوة إلى التعصب والتشدد مع المختلفين المخالفين.

من يتابع مواقف الرجل في مختلف محطات علاقته بالاستبداد يكتشف ثوريته ومبدئيته وتمسكه بضرورة التأسيس لدولة الحرية والمدنية وبالقطع مع نظام يصفه دائما بـ “المافيوزي”، وللتذكير فإن الذين يعيبون عليه تعبيره في بداية حالة 7 نوفمبر 1987 عن ثقته بالله وببن علي فإنما يعيبون عليه ذلك لا ثورية منهم وإنما غضبا عليه لكونه أفلت من “الهلاك” الذي تمنوه له ولرفاقه.

بعد 14 جانفي 2011 ظل الغنوشي يردد مفردة الثورة ويهتف مع الجماهير في حماسة الشباب بالوفاء لدماء الشهداء ويعد بمحاسبة المجرمين والفاسدين ويُبشر بسقوط بقية المستبدين في مختلف أنحاء البلاد العربية.

كنت أعرف بأن البيئة التونسية في أبعادها الثقافية والاجتماعية والقيمية والسياسية لن تَسْتَخْصِب مفردات “الثورة” و”الحرية” و”العدالة” وقد كتبت عشرات النصوص في هذا المعنى وهي مستجمعة في ثلاثة أجزاء من كتاب “الثورة/المعاني والأوهام”… لم تكن البيئة التونسية تلك مُحصنة ضد الاختراق الاستخباراتي وضد تسلل عساكر “دولة الاستبداد” وكثير منهم عادوا من بلدان عدة وبصفات مختلفة وبأنشطة متنوعة… شبح الاستبداد الذي داسته جماهير الغضب ذات شتاء ممطر ودموي استطاع أن يستجمع أشلاءه ويستعيد ملامحه وينبعث من جديد يقاوم بشراسة من أجل ألا يُحاسب وألا ينفى من المشهد السياسي والاقتصادي بل والأمني والإعلامي والثقافي.

حين كانت الجماهير الحافية تردد في حماسة ومعهم بعض الزعماء السياسيين شعارات “الثورة” وتهتف بالمحاسبة وبالذهاب إلى فلسطين، كانت الماكينة تستصفي زيوت محركاتها وتستبدل بعض قطعها المعطبة وتنتدب عَملةً لا يستنكفون من أي مهمة حتى وإن كانت قذرة طالما كانت مصدر كسبٍ ولا تساؤل عما إذا كان حراما وعما إذا كان متأتيا من تهريب الأسلحة والمخدرات ومن تصنيع الإرهاب وتوريد اللحى الاصطناعية وذبح قرابين من رموز سياسية حتى تكون دماؤهم وقودا للفتنة والخراب واستجلاب التدخل الأجنبي في الشأن الوطني.

فأصبح السفراء يتداولون على مقرات الأحزاب ويُبدون “النصائح” ويُقربون بين وجهات نظر الخصوم السياسيين كما لو أن الجميع فقدوا الرشد وأضاعوا البوصلة وخرجوا من زمن “الثورة” وابتلعتهم شهوة السلطة.

لم يكن بمقدور أيٍّ من قادة النهضة تجريع القواعد الغاضبة في الحركة “خلطةً سياسية” مُبتكرة بعنوان “التوافق”.. التوافق مع من؟ وعلى ماذا؟ وإلى أيّ حدّ؟ ومن أجل ماذا؟ ولم يكن متاحا لأيٍّ من زعماء النهضة الحديث عن تعطيل قانون تحصين الثورة وقانون العزل السياسي… الغنوشي كان “يُعلم” الجماهير ذات اجتماع حاشد في القصبة يوم 3 أوت 2013وهي تردد خلفه: ” تحصين الثورة واجب بالحرية” تحصين الثورة واجب بالعمل” “تحصين الثورة واجب بالقيم” “تحصين الثورة واجب بالعلم” وكان بخطابه ينفذ إلى عقول وأرواح متابعيه بل وكثير من خصومه حين يؤكد على ضرورة دفن “وصية الثأر” وعدم توريث الأجيال الأحقاد المدمرة دون تعطيل العدالة من أداء مهمتها في محاسبة المعتدين.

لم يكن “الخروج” من الحكومة يومها مستساغا لدى كثير من قادة النهضة وقواعدها ولم يكن إمضاء خارطة الطريق محل إجماع مجلس الشورى… سيتأكد الغاضبون أن الرجل قد أنقذ الجميع ـ نهضة ومعارضة ووطنا ـ من الهلاك الذي استُدرج إليه شركاء “الربيع” في كل من مصر وليبيا وسوريا وستكون مقترحات “القائد” مستقبلا مستساغة وسيُترك له المقود يتجول من فرنسا إلى أمريكا إلى الجزائر حتى الصين الشعبية أو ربما صين ماوتسي تونغ وثورة الثقافة.

لقد تجاوز الرجل في أعين الكثيرين مكانة “الحكيم” إلى “الرُّؤيوي” وهي حالة تتجاوز الحكمة والفلسفة والسياسة إلى مرحلة “التلقّف” و”التشوّف” حين يستشرف “الرؤيوي” بلطافته الروحية حقائق مما تُخبئه “الحُجب” ومختبرات الكيد والمكر.

التنازل عن موقع الرئاسة ليس قرارا سهلا والبحث عن شخصية توافقية يجد فيها الجميع أنفسهم عملية تستدعي قدرا من التواضع ومن الغَيْرِيّةِ ومن توسم الخير في الآخرين وهو ما لا يتوفر عادة في السياسيين التقليديين لا يرون في منافسيهم إلا خصوما أو حتى أعداء.

أعتقد أن تجربة الغنوشي في جانبها الفكري أو السياسي أو القِيمي ستمثل مادة استثنائية للباحثين والدارسين ليس في العالم العربي فقط بل وخارجه أيضا.. بقي التنبيه إلى ضرورة تحول هذا التمشي إلى منهج ورؤية تُصاغُ لكوادر وقواعد النهضة يتدارسونها ويتفاعلون معها تفاعلا واعيا حتى تكون للحركة فلسفتها ومنهجها وليس فقط زعيمها وحكيمها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق