الافتتاحية

لحظة سياسيّة فارقة..
راشد الغنوشي رئيسا للبرلمان ..
تونس تنتصر والديمقراطية تترسخ

– محمد الحمروني –

حسم  الأستاذ راشد الغنوشي مساء أمس الأربعاء المنافسة على رئاسة البرلمان من الدور الأوّل بحصوله على 123 صوتا من جملة 207 من الأصوات المصرّح بها.

 

دلالات عميقة

ويعتبر هذا الحسم ذو دلالات رمزية عميقة خاصة وأن الكثير من المراقبين توقّعوا منافسة شديدة للغنوشي من قبل خصومه وخاصة بعد تلكؤ حزب التيار وحركة الشعب بخصوص المفاوضات المتعلّقة بتشكيل الحكومة.

ويمكن اعتبار التصويت على رئاسة الغنوشي للبرلمان مقدمة أو “بروفة” للتصويت المنتظر على الحكومة، ما يعني أن الحكومة القادمة ستحظى بتزكية مجلس نواب الشعب، حتى وإن لم تصوّت لها كتلة التيّار وحركة الشعب ما يجعل هذين المكوّنين خارج اللعبة ويفقدهما الكثير من ورقات المناورة السياسية.

وبترأس الغنوشي للبرلمان تنجح حركة النهضة في تحقيق إنجاز غير مسبوق، فمنذ 40 سنة، أي منذ الإعلان عن تأسيس الحركة في 6 جوان 1986، هذه أوّل مرّة يترشّح رئيس الحركة وزعيمها الأوّل إلى منصب سيادي في الدولة، وهو ما يبعث برسائل عديدة منها:

1- أن حركة النهضة ومن ورائها الغنوشي، مؤمنة بالانتقال الديمقراطي ومنخرطة وفي العملية السياسيّة القائمة على الانتخابات والحسم عبر صناديق الاقتراع، بكل هياكلها.  كما تؤكّد إيمانها بالنظام البرلماني وضرورة أن تكون هذه الدورة دورة الإقلاع بالنسبة لعمل مجلس نواب الشعب، من خلال التسريع في نسق سنّ القوانين، بما يعطي دفعا حقيقيّا للعمل البرلماني ويعيد للمجلس هيبته وفاعليته التي افتقدها لفترة طويلة. إضافة إلى تبيان أن محاولات البعض خلق فصام بين الإسلام والديمقراطية، واعتبارهما خطّان متوازيان لا يلتقيان أبدا، مسلمة خاطئة وغير صحيحة والتجربة التونسية مثال على ذلك.

2- التأكيد على أن أجندة الغنوشي أجندة وطنية، مهمومة بالشأن الوطني العام وكيفية تحصين المسار من الانتكاس بسبب الصعوبات الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية الصعبة. وتوفير شروط التمكين للانتقال الديمقراطي من خلال مصالحة شاملة بين الدولة والثورة، وتجميع أكبر قدر ممكن من الطيف السياسي في جبهة وطنية هدفها المصالحة وإنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي والانطلاق فعليّا في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة.

3- أخير كسر الحاجز النفسي أو الخطوط الحمراء الوهمية التي يريد البعض وضعها بين قيادات الصفّ الأول للحركة وعلى رأسهم الغنوشي، وبين المناصب العليا في الدولة، بحيث تحل هذه المناصب للجميع – مهمن كانوا – وتُحرّم على قيادات النهضة.

 

لا عزاء لصبيان السياسة

في المقابل وللأسف الشديد تصر بعض القوى والاحزاب والتيارات  على البقاء خارج التاريخ، وهي تفضل البقاء على الربوة، حتى تحتفظ لها بعذريّة ثوريّة موهومة وطهورية مزعومة وهو ما دأبت عليه القوى المحسوبة على الثورة منذ 2011 فظلّت في المعارضة ومكّنت في المقابل المنظومة القديمة من التسلل إلى مفاصل الحكم من جديد.

موقف أو بالأصحّ تكتيك لم يعد خافيا على التونسيّين وبدأ عامة الناس ينتبهون بل ويتبرمون من هذه الأحزاب التي لا يمكن تفسير مواقفها إلّا على أنّها عبث بأصوات من انتخبوها وفوضوها للحكم، لأنّ الشعب إنّما انتخب يوم 13 أكتوبر منظومة حكم ولو أراد أن تحكم النهضة لوحدها لمكّنها من غالبية 109 مقعدا في البرلمان.

موقف هذه الأحزاب لا يفسّر اليوم إلّا على أنّه إنكار ورفض لنتائج الانتخابات وللتفويض الشعبي الذي تحصّلت عليه، بل هو تمرّد على الإرادة الشعبيّة.. وإلّا فما معنى أن ينتخب الشعب حزبا ويختاره للحكم مع مجموعة من الشركاء الآخرين ويرفض هؤلاء الإذعان للإرادة الشعبية..

الشعب صاحب السيادة ومصدر كل السلطات، قرّر، ولن يتسامح مع من استهانوا به، وتنمّروا على اختياراته التي عبّر عنها عبر صناديق الاقتراع، وهو سيعاقب القوى التي رفضت الإذعان لإرادته مثلما فعل مع الديمقراطي التقدمي بُعيد انتخابات 2011 ومع الجبهة الشعبية بعيد انتخابات 2019..

 

بعد تاريخي وثقل رمزي

وكان الغنوشي قال في مستهل كلمته كرئيس للجلسة الافتتاحية لمجلس نواب الشعب إن “العالم يتابع العرس الديمقراطي التونسي” ..

كلمات جمعت بين الإشادة بالمنجز السياسي الذي تحقّق في بلادنا والمتمثل في تعميق نهج الانتقال الديمقراطي وتكريس ثقافة التداول السلمي على السلطة، وهي في الوقت نفسه كلمات تستشعر ثقل المسؤولية الملقاة علينا كتونسيّين باعتبارنا مسؤولون على إنجاح هذا النموذج الذي أبهر العالم، وهي في الأخير كلمات تستبطن الفرح بنجاح مقاربة سياسيّة فكريّة، وتؤسس لرؤية جديدة في العمل السياسي كان الغنوشي أبرز المؤسّسين لها وطالما انتُقد بسببها..

هذه الكلمات إذا ما أضيفت إلى الصورة التاريخية لنائب رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان الحالي الأستاذ عبد الفتاح مورو، وهو يسلم رئاسة البرلمان إلى رئيس حركة النهضة، تعطي اللحظة السياسية التي تعيشها بلادنا أبعادا تاريخيّة وثقلا رمزيا كبيرا، قد لا نكون نحن كتونسيين مدركين لأبعاده وعمق دلالته..

فتونس اليوم لا تصنع قدرها فقط، ولا هي ترسم مستقبلها، بل هي ترسم طريقا جديدة وتبعث روح الأمل للشعوب التائقة للانعتاق والتحرّر، لتقول أن الاستبداد ليس قدرا، وأنّ النجاح في معركة الانتقال الديمقراطي رغم هول وحجم المؤامرة ممكن، وأن الديمقراطية ليست لعنة بل هي الأمل الوحيد للخروج بشعوب المنطقة من التخلّف والتبعية.

الصورة مثقلة بالرمزيات والدلالات وعابرة للخلافات ومتجاوزة للحظة السياسيّة الراهنة، إلى آفاق تاريخية أرحب تتعانق فيها أشواق الحريّة والرغبة في تحقيق النمو والتقدّم لبلادنا، مع أحلام أجيال من المناضلين من أجل الحريّة ومن أجل النهوض الحضاري الشامل.

ما وقع يوم أمس في مجلس النواب وانتخاب الغنوشي رئيسا له، يتجاوز في أبعاده النهضة كحركة، والغنوشي الشخص ..

هو أوّلا انتصار لتونس وللإرادة الشعبية، وكل من سيعمل على تحقيق هذه الإرادة، سيكون وفيّا لنتائج الصندوق ولأصوات ناخبيه.. وكل من سيعمل على عرقلة هذه الإرادة سيكون كمن يرفض نتائج الانتخابات أو هو يتمرّد على الإرادة الشعبية..

وهو انتصار لدماء الشهداء في معركة دحر الاحتلال والنضال ضد الاستبداد، ولكل المناضلين من أجل الحريّة ومن أجل تونس حرّة عزيزة منيعة أبد الدهر.

وهو انتصار لنهج الواقعية السياسية الذي انتهجه الغنوشي وحركة النهضة، التي قدّمت التنازلات المؤلمة وضحّت وقبلت بالقليل، وصبرت على ظلم شركائها في الحكم، لترسم بذلك عنوانا جديدا للممارسة السياسية للأحزاب المحافظة بعيدا عن نهج المغالبة ومعاداة الدولة، واحتكار الحق والحقيقة.. نهج عنوانه الأساس القبول بالتعايش والتطبيع مع الدولة والمجتمع.. والصبر على ذلك.

ما تحقق اليوم ليس مجرّد انتصار انتخابي يُعدّ بعدد مقاعد البرلمان، بل هو انتصار نهج ورؤية متجاوزة للانتخابات وللأحزاب وللسياسة بما هي إدارة الشأن العام في بعده اليومي…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق