الافتتاحية

الحكومة والثورة والنهضة .. الخيارات الصعبة

– محمّد الحمروني –

سنة 2014، وفي ذروة قوته، وبعد فوزه بانتخابات بنسبة تفوق ما تحصلت عليه حركة النهضة في الانتخابات الاخيرة ووسط دعم إقليمي كبير، وحشد داخلي يمكن اعتباره استثنائيا، اختار المرحوم الباجي قائد السبسي الخيار الصعب، وهو التحالف مع النهضة.

سي الباجي رحمه الله، بحنكته وتجربته الطويلة، اختار أن يسير عكس التيّار، تيار المشروع الذي أوصله إلى الحكم، القائم بالأساس على معاداة النهضة بالأساس، والمشروع الاقليمي الذي كان عنوانه الرئيسي اجهاض ثورات الربيع العربي في مهدها وهو تونس.

كان غفر الله لنا وله، يدرك جيّدا أن إنجاح أي معادلة سياسية في بلادنا، يستحيل دون إشراك النهضة في العمليّة السياسيّة، حتى وإن كان بوزير واحد، وبذلك نجح الرجل رغم كل ما يمكن أن يقال عن فترة حكمه، نجح في إتمام عهدته الرئاسية بسلام حتى توفاه الله، ونجحت البلاد من خلاله في الوصول إلى إنجاز الاستحقاق الانتخابي المتعلّق بالبلديات، ثم امتحان نقل السلطة بطريقة سلمية بعد وفاته واخيرا نجحت في انجاز الانتخابات التشريعية والرئاسية..

وعوقب رحمه الله على هذه الخيارات، داخليا بمحاولة عزله وتفتيت حزبه والانفضاض من حوله، وعوقب أيضا بثلاث عمليّات إرهابيّة بكل من باردو وسوسة وعملية محمد الخامس ضد الأمن الرئاسي والتي كانت في جوهرها رسالة مباشرة إلى الباجي لأنه خالف توقعات داعميه الاقليمين والمحليين. ورغم ذلك كان للباجي من الشجاعة ومن العقلانية، ومن برودة العقل السياسي، ما يكفي لعقد شراكة قال عنها هو نفسه قبلاً أنها مستحيلة كاستحالة التقاء خطين متوازيين..

قد يقول البعض، أو يستنكف، هذه العودة للحديث عن الباجي ووصفه بالمرحوم، والحديث عن توافقه مع النهضة، والإشادة بذلك، وسط هذا المدّ “الثوري” وهذه الحالة التي يصفها البعض بحالة وعي ولكني أعتقد أنها حالة وعي غير واعية، لأنها محكومة بالأساس بالعاطفة وليس بالعقل، والوعي مناطه العقل لا الرغبات والعواطف والهوجة بالمعنى السياسي.. ونحن الآن وبعد أن تهدأ هذه الموجة، سنكون بحاجة أكيدة إلى قراءة والاستفادة من تجربة سي الباجي بكثير من الهدوء وبرودة الأعصاب وبكثير من التأمل الصادق والقراءة النزيهة.. وسنكون أيضا في حاجة أوكد إلى قراءة تجربة الحكم التي مرّت بها “أحزاب الثورة” خلال حكم الترويكا وقراءة السياقات التي جاءت فيها وظروفها ومقارنتها بالسياقات الحالية لنحاول أن نخرج بخلاصات أو أجوبة عن اسئلة مثل هل أن الظروف اليوم أنسب للحكم وربما التفرّد به، عما كانت عليه في 2011 حتى 2013؟ أم أنها من حيث المعادلة السياسية الداخلية والظروف الاقليمية والدولية أصعب؟ وبناء على ذلك علينا أن نرسم خطنا السياسي ونحدد كيفيات ادارتنا للمرحلة ونحدد بالتالي طبيعة شراكاتنا وتحالفاتنا في الحكومة القادمة..

سنة 2011، ورغم أن النهضة نجحت في نسج تحالف سياسي شرّكت بموجبه قوى محسوبة على التيّار الديمقراطي الليبرالي الاجتماعي ممثلة في حزبي المؤتمر والتكتل، ورغم أن الظرف السياسي الداخلي كان مناسبا بالنظر إلى حالة المدّ الثوري والشعبي الكبير الذي كان يعمّ البلاد.. ورغم فوز حركة النهضة بعدد لا باس به من مقاعد المجلس التأسيس.. إلا أن ذلك كله لم يساعد على بناء حالة سياسية مستقرّة وقادرة على الاستمرار والبناء والاستجابة لمطالب أبناء الثورة.. ولم تأت سنة 2013 إلا والبلاد تعيش حالة من الانسداد السياسي وتدخل نفقا مظلما خاصة بعد الاغتيالات السياسية لكل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي، باتت البلاد بعدها على مشارف حرب أهلية، ولولا تعقل بعض الساسة وعلى رأسهم الاستاذ راشد الغنوشي الذي دفع حركته للخروج من الحكم، وظلّ يردّد حينها مقولة السقف الذي سيقع على الجميع وإذا فقدنا الحكم فيمكن أن نعود إليه ولكن إذا فقدنا الحريّة فقد خسرنا كل شيء.. لولا ذلك لكانت البلاد لا قدر الله قد دخلت في المجهول. فهل الظروف اليوم أنسب حتى يتحدث البعض عن الحكم بمنطق الانفراد، مع بعض المساحيق التجميلية التي لن تنطلي على أحد؟ مع أن الظرف اليوم أصعب بكثير؟

  • دوليا، نحن في فترة عدم استقرار سياسي وتحركات احتجاجية اجتماعية تضرب جزءا كبيرا من العالم.. وتصاعد التوترات العسكريّة في منطقة الخليج وما تشهده منطقة الشرق الأوسط من سورية إلى العراق من اضطراب علاوة على الصراعات التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي ترمب في كل اتجاه.. ما يوحي بفترة صعبة للغاية على المستوى الاقتصادي العالمي.. وهذا ستكون له تأثيرات مباشرة على اقتصادنا الذي يمرّ بواحدة من أصعب فتراته منذ الاستقلال إلى اليوم. دوليّا أيضا لا يمكن مقارنة الدعم الذي حظيت به بلادنا بعد الثورة بما نراه اليوم من تراجع كبير في هذا الدعم.
  • إقليميا، الوضع أسوا بكثير من سنة 2011، فالثورة المضادة العربية ترتع في ليبيا، وحفتر يحاصر طرابلس والروس وغيرهم يتدخلون بقوة لإسقاط العاصمة الليبية، وهو ما لم يكن عليه الحال في سنة 2011. وبالنسبة للشقيقة الجزائر والتي كانت عنصرا مساعدا بشكل كبير في السابق تعيش هي نفسها حالة سياسية نتمنى صادقين أن تنتهي على خير.. وبالنسبة للإقليم عامة نحن أمام موجة عاتية للثورة العربية المضادة وتراجع كبير لاصدقاء التجربة التونسية من قطر التي باتت محاصرة الى تركيا المستهدفة وصولا الى جزائر بوتفليقة.
  • داخليا، التحالفات السياسية التي نجحت في تشكيلها النهضة بعد الثورة فيما سمي بالترويكا، كانت أقوى من التحالفات التي يمكن اليوم تشكيلها سواء مع التيار أو حركة الشعب من جهة أو ائتلاف الكرامة وبقية القوى المحسوبة على الخط الثوري من جهة ثانية.

لذلك فإن جميع المؤشرات تدل على أن الوضع اليوم (عكس ما هو ظاهر) أسوا بكثير من سنة 2011، وايجاد معادلة سياسية ناجحة وقابلة للاستمرار أصعب أيضا .. لأن المطلوب اليوم، ليس فقط إيجاد معادلة سياسية على مستوى الحكومة، بل على مستوى الحكم وعلى مستوى البلاد أيضا خاصة بعد أن آلت رئاسة البرلمان إلى الأستاذ راشد الغنوشي ورئاسة الجمهورية إلى الأستاذ قيس سعيد، وأحدها يمثل التيّار المحافظ والآخر قد يكون وفق بعض القراءات على يمينه، وإذا ما أضفنا إلى ذلك رئاسة الحكومة، التي ستكون مجبرة على البرهنة في اليوم ألف مرّة على أنها مستقلة عن حركة النهضة وسيضطر النهضاويون إلى دفع ثمن باهظ لإعطاء الجملي فرصة للحكم في محيط معادي سيحسب كل حركة منه حتى البسملة في خطابه إشارة على انتمائه السري للنهضة!!

سنكون أمام مشهد سياسي أو معادلة سياسية منخرمة.. ولن تنجح هذه المعادلة في ضمان الاستقرار لبضعة أشهر علاوة على أن تستمر إلى نهاية العهدة النيابية الحالية.

المطلوب اليوم تحقيق التوازن الذي اختّل بمفاعيل الانتخابات الأخيرة بهدف تشريك بقية القوى والعائلات السياسية الأخرى، لأن تجربة 2011 أثبتت أن الشرعيّة الانتخابية لا تكفي وحدها لامتلاك كل مفاتيح الحكم.. وفرض ما يسمّى بشرعية الصندوق.. فلا بد من شرعيّة سياسيّة تقوم على الشراكة والتوازن في الحكم بين مختلف العائلات السياسية حتى تنجح العملية.. البعض قد يتمسّك بما يراه مدّا ثوريّا يجتاح تونس، وهو ما أغرى البعض بالحديث عن ضرورة أن “نحكم”، وهي قراءة رغم أنها تستمد مشروعيتها الظاهرة من الحالة السياسية التي طفت في الانتخابات الأخيرة، فإن محركها الأساسي رغبة جامحة في الحكم، وتعطش غير مبرّر ولا هو بعقلاني للسلطة.. وهو ما يجب التنبه له وربما الوقوف بوجهه.. لأن هذه الموجة الثورية التي تعيشها بلادنا هي معاكسة لكل ما يجري في المنطقة وفي العالم.. وتونس ليست جزيرة كي تبقى بمنأى عن التأثيرات الدولية والاقليمية، وإن لم نحسن التصرف مثلما فعلنا سنة 2013 وما بعدها، فإن بلادنا قد تكون لا قدر الله جزءا من هذا الحريق الذي يضرب المنطقة..

لذلك على العقلاء في حركة النهضة، وعلى رأسهم الاستاذ راشد الغنوشي، أن يستعيدوا المبادرة، وأن يعملوا على تصحيح البوصلة.. فتونس والثورة والمشرع وآمال الأمة التي تضعها في تونس أكبر من أن تكون أداة للتلاعب لدى بعض صبية السياسة أو الطامحين إلى السلطة.. على هؤلاء أن يتحمّلوا مسؤوليتهم في إصلاح ما فسد بفعل الخيارات الخاطئة، وأن يعودوا إلى تحكيم العقل بدل الانجرار وراء موجات عاطفية ظرفية وعابرة حتى وأن بدت لنا موجات مد عاتية.

ولا تغرنّكم الشعارات ولا الانتهازية السياسية التي يسيل لعابها اليوم لهثا وراء المناصب فإذا قضت حاجتها تولّت وتركت من يثق بهم اليوم في العراء. لا مجال للتساهل في قراءة المستقبل ونصيحتنا أن لا تمضي النهضة في طريق حتى تتضح كل ملامح الرحلة التي تدوم خمسة أعوام بتمامها وكمالها يمكن أن تنهض فيها تونس ويمكن لا قدر الله أن تكون لقمة سائغة في أفواه المتربصين بالربيع العربي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق