راي رئيسي

استضعاف صورة الدولة واستهداف هيبتها ورمزيتها… لمصلحة من؟

– لطفي هرماسي –

 

(1)

منذ انتصار الثورة على الاستبداد في جانفي 2011، كان سعي بعض القوى الفوضوية التي لا تؤمن بالدولة ولا بالديمقراطية لضرب صورة الدولة وهيبتها في أعماق الضمير المواطني الجمعي للتونسيين واضحا وجليا. ولم يكن ذلك مستغربا منها، فهي لم تتعود أن تسوس الدولة أو أن تكون ضمن نخبتها القيادية إلا من خلال اللوبيات والمنظمات  الاجتماعية والحقوقية أو من خلال بعض الاختراقات التي نجحت فيها خلال عهد بن علي والتي كانت خلالها الهراوة التي تبطش والقلم الذي يكتب التقارير واللّسان الذي يبرر الهجمة الوحشية للنظام على كل معارضيه.

تلك القوى ذاتها، لم تجد بدّا ولا حرجا إثر هزيمتها في انتخابات أكتوبر 2011 من استجلاب منظومة السابع من نوفمبر التي حاصرتها الثورة وقامت بتصفيتها سياسيا لرسكلتها وإعادتها إلى الواجهة من خلال ابتكار كيان سياسي هجين سمّي آنذاك نداء تونس الذي ضم قوى التجمع واليسار والبعثيين وبعض النقابيين، ثم استعصى على الدولة ومضى بعيدا في محاولة إسقاطها من خلال اعتصام نافورة باردو قبل أن تنجح حركة النهضة من خلال لقاء باريس وما تلاه من توافق مع النداء من قطع الحبل السّرّي لذلك التحالف الجديد القديم وتبديد مكوناته وتأمين البلاد من شرّه المستطير.

لقد عملت قوى اليسار الاستئصالي والمنظومة القديمة بأذرعهما السياسية والإعلامية والمدنية والنقابية على ضرب رمزية الدولة وهيبتها ووضعت منظومة 23 أكتوبر أمام اختبار صعب بين خياري الحفاظ على الحرية وبين حفظ هيبة الدولة، فنجحت في الأولى وفشلت في الثانية فشلا ذريعا حتى بتنا نتابع مشهدا عجائبيا تحمي الدولة خلاله اعتصاما ومسيرات تستهدف وجودها وتدعو لإسقاطها. ومضت قوى الفوضى والهمجية في استهداف رمزية الدولة ومؤسساتها بالسعي للانقلاب عليها ودعوة قوى الأمن والجيش للتورط معها في جرمها وعربدتها. وبلغ العبث بها كل مبلغ حتى اختارت من تلقاء نفسها ووفق هواها سلطة موازية وولاة ومعتمدين من صعاليكها زينت لهم سوء عملهم، فعربدوا وصاحوا وهاجوا وماجو قبل أن يكتشفوا أنهم موتورون دون أي سند شعبي.

 

(2)

قد يأتي يوم يحكم التونسيون فيه حكما علميا موضوعيا على فترة حكم الترويكا، فينصفونها من حيث الجهد والمؤشرات وحسن التصرف في موارد البلاد المادية والبشرية، ولكنهم حتما سيعتبرون أن تلك الفترة بصفة خاصة قد أتت على حيّز كبير من هيبة الدولة وسطوته.

في إحدى الندوات السياسية سألت أحد وزراء الترويكا حانقا: ” كيف يعيث المفسدون والصعاليك في البلاد فسادا وتعويقا ويعطلون عجلة الإنتاج، ويغلقون المصانع والمناجم والطرقات دون تدخّل ردعي قويّ من الدولة؟” فأجابني بابتسامة صفراء قائلا: ” لقد عانينا من سطوة الدكتاتورية وظلمها وعصاها الغليظة، حتى منحنا شعبنا الثورة والحرية والكرامة، وليس من المعقول أن نردّ جميله بتسليط العصا عليه. ستمضي هذه الفترة التي ترافق كل انتقال ديمقراطي وسيتلمس شعبنا طريقه إلى التّنظّم واحترام الدولة ومؤسساتها، وهيبتها ورمزيتها”.

ومضت تلك الفترة، ولكن الدولة لم تستردّ هيبتها، وجاءت منظومة 2014 بقيادة الرئيس الباجي رحمه الله الذي تحدث كثيرا أثناء حملته على إعادة الاعتبار لهيبة الدولة لكننا لم نشهد خلال فترته إلا مزيد ترهّل الدّولة، وخضوعها لسطوة اللوبيات والحيتان ورموز الفساد والمشبوهين الذين عادوا من جديد إلى الواجهة نوابا ووزراء ومستشارين ومقاولين ومديرين عامين.

ولعل أسوأ ما يمكن أن يصيب الدولة وهيبتها ومصداقيتها في مقتل انخراط قيادتها في شبهات فساد أو دفاعها عن مفسدين أو حمايتهم، أو التدخّل لمصلحتهم وإطلاق سراحهم رغم الأحكام القضائية الباتّة في شأنهم، من ذلك ما صرح به نهاية الأسبوع المنقضي المستشار لدى رئيس الحكومة الأزهر العكرمي في أحد البرامج التلفزية الذي أكّد فيه بأنّ سبب القطيعة بين الشاهد وعائلة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي هو رفض رئيس الحكومة  التّدخّل لصالح رجل أعمال مقرّب منهم لرفع التجميد عن أموال بقيمة 24 مليارا من البنك المركزي مقابل رشوة تبلغ قيمتها 8 مليارات.

 

(3)

تتواتر خلال الأيام الأخيرة أحداث وتصريحات خطيرة تهدد الأمن القومي للبلاد، في مقابل صمت مريب من حكومة تصريف الأعمال ومؤسسات الدولة ووسائل الإعلام.

ومن ضمن هذه التصريحات الخطيرة والمثيرة ما ذكره المدعو يوسف بن سالم المعروف بكنية “شوشو”  خلال ظهوره في إحدى الإذاعات الخاصة من  اتهامات خطيرة لرجل أعمال معروف بجهة الوردانين بالوقوف وراء عديد التحركات المشبوهة والأوامر الخطيرة بإثارة الفوضى والبلبلة والقتل وعمليات التسفير الى بؤر التوتر والشروع في قتل عضو قائمة حركة النهضة الفائزة في الانتخابات البلدية مبرزا تمتّع رجل الأعمال المذكور بشبكة علاقات متينة مع شخصيات نافذة من  سياسيين وقضاة،  وكان اسم بن سالم (شوشو) قد ذكر ضمن  تصريحات النقيب بالحرس الوطني زياد فرج الله على صفحات التواصل الاجتماعي يوم 8 نوفمبر الجاري التي حذّر فيها من وجود مخازن للسلاح بالوردانين، واتهم رجال أعمال وشخصيّات نافذة في البلاد بالتورط في بيع السلاح للإرهابيين.

أي دولة هذه التي يعيث فيها رجال الأعمال فسادا بهذا الشكل؟ وأي هيبة لها إثر توالي التصريحات الصادرة من أعوان أمن (محمول عليهم التحفظ) تحذيرا من الأسلحة المنتشرة، والأرواح المهددة، والعلاقات المريبة، واعترافا بجرائم شغلت الرأي العام ووظفتها وسائل الإعلام لضرب صورة أحزاب سياسية؟

لماذا يصمت السياسيون إزاء هذا العبث بالبلاد ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة للإرباك وإدخال الشك والريبة والخوف في الرأي العام ؟ ولمصلحة من يتم ذلك؟ في كل الحالات لابد من أن تتحرك النيابة العمومية سريعا للتثبت من صحة هذه التصريحات وكشف من يقف وراءها.

مسألة أخيرة أعتقد أنها على علاقة وثيقة بهيبة الدولة وتتمثل في المقاربة التي يعتمدها المكلّف بتشكيل الحكومة الحبيب الجملي الذي يبالغ في استرضاء كل الأطراف بمن فيها الأصفار وأنصافها وأرباعها والنكرات

الجملي عبث بهيبة الدولة حين عرض على بوشناق حقيبة الثقافة فردها عليه، وعبث بهيبة الدولة لتكرار استماعه لحزب الرحمة الذي يطالب بوزارة الصحة، وعبث بهيبة الدولة حين دعا لمشاوراته زياد لخضر رغم موقف حزبه الاستئصالي الفاشل من حركة النهضة، وعبث بهيبة الدولة حين دعا لمشاوراته النائب المثير للجدل فيصل التّبّيني، واتحاد الطلبة ومنظمة الدفاع عن المستهلك، بالإضافة إلى عبير والرحوي اللذان ضربا عرض الحائط دعوته ولم يستجيبا له رغم معرفته المسبقة بالأمراض التي يعانيان منها.

 

(4)

إنّ الدولة المنشودة هي تلك القوية العادلة التي ترعى الحقوق ولا تسمح لأي كان مهما كان موقعه بأن يدوس على قوانينها، أو أن بتلاعب بمواردها، مهما كان موقعه، ومهما كانت علاقته بالقائمين عليها،  دولة تحمي مواطنيها وحدودها وأمنها، وتحفظ هيبتها وتقف بكل وثوق وحزم في وجوه من يعملون على استضعافها لمصالح وأجندات داخلية وخارجية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق