راي رئيسي

رئيس الحكومة وحديقة المتاهات في دار الضيافة

– د. كمال الصيد –

في قصور الملوك في أوروبا كثيرا ما ترى هندسة الجنان الملكية في صورة متاهات متشعبة يتسلى بها الامراء والاميرات. قد يمضي

أحدهم يوما لا يخرج من الحديقة الملكية إلا بعد زمن طويل لكثرة أزقتها المسدودة وتفريعاتها المتعددة والمتعمدة. ولفك شفرة المتاهة أصبح يحدد ارتفاع الجدران العشبية للجنان بالقدر الذي يمكن للمرء أن ينجو من الضياع والتيه.

إن مهمة السيد رئيس الحكومة المكلف ليست أسهل من الخروج من حديقة المتاهات الملكية. لقد بدأ مشواره مبكرا بمعالجة أول مطب في طريقه إلى القصبة بتفنيد انتمائه لأي من الأحزاب وتمسكه باستقلاليته وذلك بتأكيده “أنه مستقل ولم يكن له أي انتماء حزبي في الماضي ولن يكون له في المستقبل”، حيث أصبحت استقلاليته محل رهانات عديد الأحزاب لأن ذلك من شأنه أن يضعف خصما سياسيا برميه بتهمة التغول بما يضع ضغطا كبيرا على المسؤول على تشكيل الحكومة وهو ما يضيق عليه هامش المناورة في تشكيل الحكومة على قاعدة المحاصصة مما جعله يشدد بقوة على أنه “قادر على قول لا للنهضة”، و أن مفاوضاته ستشمل كل الأحزاب دون استثناء إلا من يستثني نفسه وأنها ستتم حسب ترتيب الأحزاب وفق عدد المقاعد المتحصلة عليها في مجلس نواب الشعب.

لقد تعددت أمام السيد الحبيب الجملي عديد اللاءات الحزبية والاعتراضات و”الفيتوات” مما يعسر عليه تفكيك ألغاز الحكومة الائتلافية والحزام السياسي المنشود.

لقد بدأت النهضة وائتلاف الكرامة بهذه اللاءات فضيقت على رئيس الحكومة المكلف هامش المناورة، فالسياسة مثل الحرب لا تسمح باللعب في الأزقة المغلقة، خاصة أن ثمن الوعود والأخلاق والمواقف والمبادئ والتعهدات قد يكون مرتفعا ومكلفا. فلقد مات المتنبي من أجل بيت لم يوفه حقه عندما وسم فيه شخصه بالشجاعة. إن إعلان النهضة وأحزاب أخرى عن عدم قبولها المشاركة مع حزب قلب تونس في الحكومة المقبلة يغلق بابا كبيرا أمام السيد الحبيب الذي يريد أن يحقق لحكومته المقبلة شروط نجاحها وأوّلها الحزام السياسي القوي والدعم الحزبي اللامشروط للقوى الحزبية الفاعلة على الساحة السياسية. وحقيقة إن هذا الفيتو يحرمه من دعم كتلة برلمانية وازنة من ناحية الكم والكيف، فكيف يحقق السيد الحبيب الاستمرار لحكومته والديمومة إذا لم يشرك الحزب القوي الثاني في البلاد ويتحمل معه أعباء المرحلة المقبلة التي تحمل تحديات عالية المخاطر وتهديدات اقتصادية. مرتفعة، وانتظارات شعبية شح صبرها.

السياسة أيضا لا تسمح بتسلق الأشجار المرتفعة مثلما فعل حزب التيار بطلبه حقائب ثلاث يصعب الحصول عليها، في ظل التشنيع بقانون المحاصصة الحزبية في تكوين الحكومات، وفي ظل التشتت الحزبي وكما يمكن أن يكون ثمن النزول من المرتفعات مرهقا إن لم يكن محطما لحزب التيار فإن ذلك بالنسبة للسيد الحبيب يمثل سدا لطريق التفاوض بصفة مبكرة وتعطيلا لمسار تشكيل الحكومة، وهنا يحسب للسيد الحبيب اختياره منهجية قد تنقذه، لكن لا نعلم إلى أي وقت يمكن أن تصمد، و هي دعوته إلى الاهتمام بالبرنامج الحكومي والاشتغال عليه والالتقاء على أولويات الحكومة القادمة قبل النظر في توزيع الحقائب.

ورغم أن السيد الجملي أعرب عن تفاؤله بالتوصل إلى تشكيل حكومة تحظى بأغلبية مريحة، فإن هذا التفاؤل قد يصطدم بالسد العظيم الذي هندسه حزب حركة الشعب وهو حكومة الرئيس التي يحن إليها ويعمل عليها بعض من قياداته بدعوى جمع الشرعيات.

تواجه البلاد تحديات كبيرة لا يمكن أن تواجهها إلا حكومة ائتلافية قوية تتنوع فيها المشارب السياسية وتراعى فيها التوازنات الداخلية للدولة ولا تقصي في تركيبتها تيارا أو تمثيلا سياسيا. يعلم رئيس الحكومة المكلف أنه ليس له كتلة كبيرة تسنده تصل إلى النصاب المطلوب لتزكيته في البرلمان وحتى لو يجمع الكتلتين الكبيرتين فإن ذلك لن يتحقق أيضا. إن وضع السيد الحبيب لا يحسد عليه في خضم هذه المتاهة التي لم نسمع إلى الآن شيئا عن مسلك الخروج منها غير تفاؤله. وكما يعلم السيد الحبيب أن القوى الحاكمة في البلاد ليست فقط الأحزاب الفائزة في الانتخابات بل تلك القوى العميقة في الدولة والتي أقصتها صناديق الاقتراع مثل اليسار التونسي العريق بقطع النظر عمن يمثله لقد كانت تجربة وزير الفلاحة سمير بالطيب فكرة جيدة في هذا السياق. أيضا حقيبة الشؤون الاجتماعية التي كثيرا ما كانت تأخذ بالاعتبار هذا التوجه في تشكيل الحكومات بوصفها تمثيلا لنقابة العمال في البلاد، ووزيرة الشغل التي ضربت عصافير عديدة فهي مرآة جمعت في صورتها الكفاءة والشباب والمرأة والجالية التونسية بالخارج ودون أن ننسى وزير السياحة الذي أريد من خلاله بعث رسالة طمأنة لأصدقاء تونس بالخارج. وتقديم صورة تونس الديمقراطية المنفتحة التي تمثل كل العائلات الفكرية والسياسية والشرائح الاجتماعية والدينية في تونس، حيث تظهر اليوم للخارج على غير عادتها محافظة جدا، ذات لون واحد.

إن تشكيل الحكومة ليست بالعملية التقنية وليست جمعا لأرقام وأصوات للمصادقة عليها في البرلمان، إنما هي ترجمة لتوازنات داخلية وإقليمية وبناء فريق يتجاوز الرهانات والتحديات يجتمع فيه السياسة والكفاءة والصورة، وهذا ما يصعب التكليف على السيد الجملي خاصة مع ضغط الوقت الدستوري الذي لا يرحم ويزحزح الخيارات لصالح حكومة الرئيس التي تنسف بالشرعيات الحزبية وترمي النخبة السياسية على أعتاب قصر قرطاج.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق