راي رئيسي

25 جويلية.. السطر الحزين في تأبين جلالة النخبة

قانون سوسيولوجي صارم في علميته؛ يقول أن المجتمعات حين تحتدم مشاكلها وتمرّ بظروف عصيبة تهدّد تماسك كيانها، فأنها تحتكم لنخبها وتستنجد بها لأنها الأقدر على تشخيص هذه المشاكل وإبداع الحلول الأقل كلفة عليها.

معضلة المجتمع التونسي ومشكلة مشاكله أن الاستبداد السياسي في طوريه البورقيبي ـ ولئن بدرجة أقل ـ والنوفمبري ـ بدرجة أكبر ـ عمل على إفساد النخبة ـ بالمفهوم الواسع ـ والنخبة السياسية خاصة ورشوتها بهدف تبرير وتأبيد الاستبداد. هذا الإفساد الممنهج وغير المسبوق تاريخيا والممتد لعقود طويلة والذي يقف التاريخ السياسي المعاصر لتونس شاهدا على تفاصيله المقذعة والمقززة؛ خلق مناخا، وأشاع ثقافة، وجذر عقلا سياسيا مريضا منفصما غير ناجع واحترابيا متحللا من قيم الأخلاق. ومن الطبيعي نتيجة لذلك أن تعجز هذه النخب بعد الثورة على إبداع مركز سياسي مقابل للمركز السياسي للدولة ونظام الحكم رغم زخم الحركة الشعبية. فظل مركز الحكم قويا وفعالا بقطع النظر عن أداءه مردوديته بل أن جل هذه النخب بقيت في مدار السلطة السياسية ومجتمع الحكم.

تفسير الظاهرة بانتهازية النخبة حكم قيمة يفصح عن بعض الحقيقة، ولكن لا ينتج ما يكفي من المعاني لتفسير ما يمكن أن نسميه بالتشويه التاريخي لوظيفة الانتليجنسيا في الفضاء الوطني، وتفسير الظاهرة بآثار تاريخ دولة الاستبداد وجدة زمن الحرية والحداثة السياسية عندنا يحيل على التبرير بأكثر ما يفتح على التفسير وإعادة التركيب والتأويل.

السؤال الذي نشتغل عليه هنا في حاجة لمقاربة أكاديمية صلبة، نتركها للباحث المختص ونكتفي بهاجس التحليل السياسي المتصل بيوميات المستجدات الوطنية.

سؤالي المباشر على هامش يوميات ما بعد 25 جويلية، بماذا وكيف نفسّر صمت وتصفيق غالبية النخبة الفاعلة في الفضاء السياسي، ومن خارجه، عن الردّة الكبرى التي قادها الرئيس على المنجز الدستوري والسياسي للثورة؟

تعمّق حيرة السؤال حقيقة أنّ النخب كانت المستفيدة الأكبر بل والمستفيد الوحيد تقريبا من منظومة ما بعد الثورة، ومشروعية 25 جويلية تأسست على حقيقة فشل المنظومة في تحقيق انتظارات الناس والجماهير، وسقوط البلاد ومقدراتها فريسة بين مخالب نخب الانتهازية والنهب والفساد أفرادا وأحزابا.

شهادة الإدانة لعبث النخبة كانت ومازالت الرافعة الصلبة في خطاب الرئيس لتبرير وتمرير بديله ومشروعه لنسف السائد جذريا.

المفارقة في أنّه من يفترض أكبر الخاسرين من الانقلاب في عالم النخبة، كان أوّل المهللين له، والمستهدف الأول من منصات وصواريخ الرئيس ترذيلا وتخوينا هو أوّل المصفقين له.

التفسير الذي يقفز للسطح تتجاذبه فرضيتان الأولى قناعة تلك النخب بعدم جديّة الرئيس في الذهاب نحو الأقصى في التهديد والوعيد الشعبوي.

والفرضية الثانية هي دربة تلك النخب الوازنة الممتدة على مدى تاريخ دولة الاستقلال في إعادة انتاج نفسها في أحضان الأنظمة المغلقة وأنصبة الاستبداد، فعودة سعيد إلى نمط الدولة السلطانية ونظامها الرقابي العنيف، هديّة قدر لتتخلّص من صداع إعادة التموقع والانتشار في منظومة سياسية مفتوحة، بحامل دولة العقد.

تحت سطح الفرضيتين تكمن حقيقة أعمق في تقديرنا تتصل بخصوصية “النخبة التونسية” في علاقاتها بالفاعل الأساسي في تركيز وإدارة منظومة الحرية التي أفرزتها “ثورة الياسمين”.

حركة النهضة بهويّتها الإيديولوجية الإخوانية، وجدت نفسها بعد الثورة بدون تخطيط منها وربّما بدون رغبة، العمود الفقري لمعمودية منظومة مجتمع الأحزاب والحكم. وانتهت بعد حوالي العقد إلى أن تكون القوّة الوحيدة التي صمدت لطاحونة “جدل التشكّل والتحلّل” الذي طبع كل منافسيها، فرغم فقدانها لثلث قاعدتها الانتخابية في انتخابات 2019، فإنها بقيت القوة الأساسية المتحكمة في توازنات الخارطة الحزبية والسياسية.

الحالة التونسية في هذا المضمار لم تشذّ عن بقية تجارب الفضاء العربي، فكلما عادت السياسة للصندوق فاز الإسلاميون.

فالغريب أو المدهش ليس حجم ولا موقع النهضة في نصاب ديمقراطي مفتوح، وإنّما سرعة تفكك وتحلل كل المنافسين لها المحسوبة منها على قوى الحريّة والتجدد كأحزاب الشابي وبن جعفر والمرزوقي أو المحسوبة على المنظومة القديمة كحزب نداء تونس الذي تمكّن من هزم النهضة في العهدة الانتخابية الثانية بعد الثورة إلّا أنه سرعان ما اندثر شظايا جارحة لوجه الديمقراطية، وحجّة ماثلة على فشل النخب المعادية أو المعارضة للإسلاميين على منافستهم بأدوات الصراع الديمقراطية بعيدا عن تجيير أدوات الدولة لحسم المباراة معهم.

عند هذه النقطة أساسا وتحديدا ينزاح المعنى في العمق لتفسير “الصمت المتواطئ” للنخب على عبث الشعبوية بالمسار والتجربة الديمقراطية ليلة 25 جويلية سيئة الذكر.

غضب الجماهير من فشل الحكومة في إدارة الأزمة السياسية والاجتماعية والصحية، حولته الدعاية السوداء المكثفة والممنهجة والمخطط لها في الداخل والخارج إلى بركان غضب في وجه حركة النهضة بصفتها الحزب الحاكم الوحيد منذ الثورة إلى اليوم.

لا فائدة الآن من التأكيد على أن ما ارتقى بفعل الدعاية السوداء إلى بداهة يحيل على استراتيجيات التلاعب بالرأي العام وتقنيات صناعته على الوهم، مجانب للحقيقة فالنهضة ربما كانت ضحية اختيارها في أن لا تمارس في مجتمع الحكم بحجمها، ترفقا على ما تكرّر في خطابها بالتجربة، ونزعا لألغام تفجير المسار وسقوط السقف على الجميع.

لا فائدة من السجال حول موقع وحجم ومسؤولية حركة النهضة من مآلات الوضع الكارثي عشية الانقلاب، المهم أن جزء وازن من الشارع ربما أغلبي قد اقتنع بمسؤولية النهضة وشهدنا لأوّل مرّة بعد الثورة خسارة الإسلاميين لتعاطف الجمهور وبداية ترهّل مقوّمات شرعيتها التاريخية المتصلة بتجذرها في العمق الشعبي، بالتوازي مع عدم “مقبوليتها الخالدة ” في فضاء النخبة.

هذه حقيقة مفزعة رمى بها الانقلاب في حجر حركة النهضة للقراءة والتقييم، وحقيقة مرحة تلقفها خصومها كمنجز تاريخي للرئيس الشعبوي، يتمنى عليه الجزء الغالب أن يتوّجه بحملة استئصال يريحهم من “الغدّة الإسلامية،” وإن كانت الكلفة العودة لنصاب قمعي متوحش يأكل الأخضر واليابس، فدربة تلك النخب على التعايش مع الاستبداد والتكيف مع آلياته أعمق وأكبر من دربتها على التعايش مع الديمقراطية وفي هذا قد نلتقط المعنى من المساندة اللامشروطة لمغامرة القصر ليلة 25جويلية، أو الصمت المتواطئ لدى الأغلبية، أو المعارضة المبحوحة لدى الأقلية.

تسقط عند هذا الحدّ خلاصات السوسيولوجيا وعلوم السياسة في مقاربة الدور الوظيفي للانتلجنسيا في زمن الحداثة وما بعدها، لتستعيد أدبيات كهنة المعبد، والفقه السلطاني ألقها في تفسير وتدوير زوايا المقاربة للماثل التونسي الحزين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق