راي رئيسي

33 سنة على انقلاب 7 نوفمبر..
رغم قتامة الأوضاع، تونس أفضل دون بن علي..

1

في مثل هذه اليوم منذ ثلاث وثلاثين سنة خلت، أفاق التونسيون على بيان السابع من نوفمبر الذي بشر بنهاية فترة الدولة المترهلة التي يتنازع صقور الدولة وغربانها على ميراثها وطي صفحة الزعيم بورقيبة الذي بلغ من الكبر عتيا، فضعفت مداركه وحواسه، واستبد المرض بجسده النحيل، وباتت الغرابيب السود ودوائر الدول الغربية تحوم حول البلاد تتربّص بها وتخطّط لمستقبلها وتبحث لها عن بدائل مفترضة.

لم تكن الكفاءات السياسية والأكاديمية بالبلاد آنذاك على استعداد للخلافة بحكم إرث نظام الحزب الواحد الذي خيم على تونس منذ استقلالها، وبحكم تشرذمها وانغماسها في عوالم الإيديولوجيا الحالمة والنظريات الطوباوية وعباداتها لزعامات حكمت بلدانها بالدماء والحديد والنار من فلاديمير إليتش أوليانوف لينين إلى ستالين إلى ماو تسي تونغ إلى أنور خوجا إلى جمال عبد الناصر إلى آية الله الخميني إلى صدام حسين وحافظ الأسد وغيرهم.

حين قفز بن علي إلى سدة الحكم منقلبا على بورقيبة، بشر من خلال بيان السابع من نوفمبر بالحريات والديمقراطية ورأى التونسيون من خلال بعض إجراءاته وزياراته وقراراته عقب الانقلاب بصيصا من نور وفاتحة لعهد تعيش فيه البلاد مناخات الحرية والتعددية السياسية التي لم تعرفها في تاريخها.

آنذاك، قفزت نخبة يسارية متطرّفة في ركاب السلطة الجديدة لتؤسس ما سمّي بالتجمع الدستوري الديمقراطي الوعاء الجديد لحزب الدولة وتنصهر فيه مع عتاة الدساترة في زيجة تاريخية قربانها آلاف التونسيين ممن قضوا نحبهم تحت التعذيب داخل السجون أو في المنافي، وممن اقتطعت من دفتر أعمارهم عشريتان مظلمتان ذاقوا خلالها كل صنوف الويلات والتعذيب والترويع والتجويع والمداهمات.

وإذا كان إخواننا الجزائريون قد اصطلحوا على توصيف العشرية التي اشترك خلالها إرهاب الدولة بإرهاب الجماعات المتطرفة بالسوداء، فإنه يحق لنا أن نطلق على فترة بن علي تسمية الفترة الحمراء نسبة إلى دماء الشهداء وعشرات الآلاف ممن لسعتهم سياط التعذيب ونسبة أيضا إلى اللون المميز للتجمع الدستوري.

فترة بن علي بقدر ما كانت حمراء دموية في المجالين السياسي والحقوقي، بقدر ما كانت سوداء قاتمة خاصة في حجم الفساد الاقتصادي الذي كانت تعاني منه البلاد خاصة خلال العقد الأخير من حكمه، إذ تمّ توظيف سطوة السلطة السياسية لاختراق الاقتصاد والاستحواذ على القطاعات المنتجة ذات المردودية العالية بين يدي عائلة بن علي وأصهاره الذين تمكنوا من فرض سيطرتهم على قطاعات حسّاسة كالتجارة الخارجيّة ومسالك التوزيع والسياحة وابتزاز المستثمرين المحليين والأجانب والتصرّف في أموال المجموعة الوطنية بالبنوك الحكوميّة والحصول على قروض دون ضمانات منها بمبالغ تصل قيمتها إلى 1.75 مليار دينار. وقد أعلن نجيب مراد المقرر العام للجنة الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد بالمجلس الوطنيّ التأسيسي في السياق ذاته أنّ 126 رجل أعمال تحصلوا على حوالي 7 مليارات دينار من البنوك العمومية في عهد بن علي دون إرجاعها. كما يذكر انه وفقا لتقرير صادر عن البنك الدولي سنة 2014 فإن عائلة بن علي وأصهاره كانت تستولي على أكثر من 21% من أرباح القطاع الخاص في البلاد بنهاية عام 2010 وأن هناك 220 شركة مرتبطة بالرئيس بن علي حددتها لجنة المصادرة التي تشكلت بعد الثورة، كما تم إصدار 25 مرسوما خلال فترة حكمه لتحديد شروط الترخيص في 45 قطاعا مختلفا وقيودا على الاستثمار الأجنبي المباشر في 28 قطاعا.

 

2

بعد حوالي عشر سنوات من الثورة، ومرور ثلاث وثلاثين سنة على انقلاب السابع من نوفمبر تراودنا مشاعر متضاربة من القلق الوجداني، والخوف، والشك، والريبة مما يمكن أن تكون عليه أوضاعنا بعد أشهر قليلة، خاصة ونحن نعيش أزمة متعددة الأوجه، تواجهها حكومة المشيشي بقانون مالية لا يقدم حلولا للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، ولا ينبئ بجديد في علاقة بتحسين المقدرة الشرائية والتحكم في مسالك التوزيع ومحاربة الاحتكار والتهريب، ولا يوفر موارد استثنائية للقطاع الصحي الذي يعيش حالة التنفس الاصطناعي إن لم نقل حالة الاحتضار خاصة في ظل ارتفاع منسوب الإصابات وتصاعد عدد الوفيات دون أفق.

ملامح الخوف والقلق والحيرة والتشاؤم نكاد نلامسها كلما تفحّصنا وجوه التونسيين الذين يبيتون ويصطبحون على أنباء الإصابات والفقد، وانعدام أسرة الأكسيجين وصور مشاريع الموتى الملقاة جثثهم على جنبات قاعات الانتظار بأقسام الاستعجالي بمستشفياتنا ومستوصفاتنا في انتظار معجزة إلهية أو وفاة مريض طال به المقام في قسم العناية المركزة

التونسيون باتوا لا يبالون بشعارات الثورة ولا بقيمها ولا بمجلوباتها ولا بمكاسبها طالما لم تتحسن ظروفهم المعيشية، وطالما انخرم ميزانهم الاقتصادي ولم يعودوا قادرين على مسايرة النسق التصاعدي الصاروخي للأسعار، وطالما لم يعودوا قادرين على توفير الضروري من حاجياتهم اليومية من غذاء ودواء ولباس، ونقل، وتأمين للمصاريف الباهظة الكلفة لتعليم الأبناء، وطالما هم في حيرة على مستقبلهم خاصة في ظل الدراسة بنظام الأفواج وانحدار نسق التعاطي مع الدرس والمدرسة إلى أدنى مستوى ممكن.

التونسيون بات جلهم اليوم مرتهنا للقروض البنكية الاستهلاكية، عاجزا أمام كثرة وارتفاع تكاليف متطلبات الحياة، مرهقا بديون لا يجد موردا لتسديدها، حائرا أمام طلبات الأبناء الذين يرومون مسايرة أترابهم ممن ينتمون إلى طبقات اجتماعية مترفّهة نسبيا حتى يجنّبهم مركبات النقص والشّعور بالدّونيّة، تقض مضجعه بطالة المتخرجين من أبنائه وانسداد الأبواب في وجوههم وعجز الحكومات المتعاقبة على إيجاد حلول لمعضلة التشغيل، ورفعها لشعارات جوفاء وحلول شعبوية أكدت التجارب أنها كانت مجرد مسكنات رفعتها حكومات عدة لربح الوقت والضحك على الذقون.

ويبدو أن الحكومة الحالية، والتي سهرت على إعداد مشروع ميزانية الدولة لسنة 2020، لم تجتهد كثيرا ولم تفكّر بحكم ضاغطات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تمرّ بها البلاد وبحكم ارتهانها للجهات المانحة من جهة والتزاماتها مع المنظمات الاجتماعية من جهة أخرى وبحكم ما خلفته أزمة الكورونا من إحالة لما يزيد عن مائتي ألف تونسي على البطالة الإجبارية في الإجابة عن السؤال الجوهري الذي كان أحد الأسئلة والمطالب التي قامت من أجل تحقيقها الثورة والمتمثل في صناعة الثروة وحوكمة توزيعها وحل معضلات انعدام التوازن التنموي الجهوي وأعداد المعطلين عن العمل الذين يبلغ عددهم نهاية السنة مليون معطل.

 

3

بقدر ما نعيش وضعا قاتما، زاده قتامة بؤس المشهد السياسي واستشراء الخطاب المتشنج الإقصائي بين مكوناته، وحالة العبث الممنهج بصورة مجلس نواب الشعب الذي يمارسه جواري وخصيان بن علي من ممثلي الحزب الفاشي وحلفاؤهم داخل المجلس وخارجه من قبل كتل ثورجية وأذناب عبد الوهاب عبد الله في وسائل إعلام مأجورة، بقدر ما نأسف لحالة السذاجة التي رافقت كتابة دستور الثورة والقوانين الداخلية للمجلس التي سمحت ببلوغ أعداء الثورة والديمقراطية للمجلس وتمكنهم من ارتكاب أفظع عمليات سحل للحياة السياسية بالبلاد وارتكاب كل الكبائر تحت أنظار الشعب التونسي الذي كره بفضلهم السياسة والسياسيين، بل أن بعض السفهاء ممن يحنون إلى لسع الكرباج على ظهورهم وصفع رقابهم وركل مؤخراتهم باتوا يتحسرون علنا على زمن بن عليّ بتعلّة توفر الأمن واستقرار الأسعار متناسين أن ذلك كان على حساب كرامتهم وحرياتهم وعلى حساب مناطق حرمت من حقها في التنمية العادلة ومن الرفاه.

إننا إذ نتذكر السابع من نوفمبر سيء الذكر الذي اختطف من اعمارنا عشريتين كاملتين هي أجمل سنوات شبابنا، باعتبارنا عاجزين عن نسيان ما ارتكبه في حق شعبنا من جرائم لا تسقط بمرور الزمن، فإننا نحذر نخبتنا السياسية من حالة صعود لخطاب الإقصاء والكراهية والتهديد بالعودة للدكتاتورية من قبل الحزب الفاشي وأنصاره بتزكية من بعض دوائر المال والعمال ودعم من أعداء الثورات العربية، ونؤكد أن التاريخ لا يمكن أن يعود إلى الوراء وأننا معشر أنصار الثورة والمؤمنين بمقولاتها مستعدون للذود على هذا البلد وثورته وحرية شعبه بكل الوسائل المتاحة كلفنا ذلك ما كلفنا استئناسا بقول الشاعر الفلسطيني توفيق زياد الذي قال في قصيدته الشهيرة التي أدتها فرقة العاشقين:

فلتسمع كل الدنيا… فلتسمع

سنجوع.. ونعرى

قطعا.. نتقطع

ونسفّ ترابك

يا أرضا تتوجع

لن يسقط من أيدينا

علم الأحرار المشرع

لن يخضع منا

حتى طفل يرضع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق